
البئر التي تتنفّس
الصوتُ لم يكن صدى. كان أشبهَ بنَفَسٍ طويلٍ يخرج من جوف الأرض، ثمّ يُسحب إلى الداخل ببطء، كأنّ شيئاً هناك في العمق يتنفّس.
وقف طارق الحمداني على حافة الفتحة المستديرة، يمسح العرق عن جبينه بطرف كوفيّته، ويحدّق في الظلام الذي لا يبدأ ولا ينتهي. كان الهواء الصاعد من البئر بارداً بشكلٍ غير طبيعي، رغم أنّ حرارة الصحراء حولهم تتجاوز الخمسين. بردٌ رطبٌ يحمل رائحة لا تُشبه شيئاً عرفه — ليست رائحة تعفّن، ولا رائحة ماء راكد، بل شيء أقدم، كأنّه رائحة الزمن نفسه وهو يتحلّل.
«هذه ليست بئر ماء»، قال الدكتور نوّاف، عالم الجيولوجيا، وهو يتفحّص الحجارة المرصوصة حول الفوّهة بيدين مرتعشتين. «الطريقة التي رُصّت بها هذه الأحجار... هذا بناء طقوسيّ. شخصٌ ما بنى هذا ليُغلق شيئاً في الداخل، لا ليستخرج الماء».
لم يبدُ على سالم، المساعد الميداني، أنّه سمع شيئاً. كان واقفاً على بعد خطوات، عيناه معلّقتان بالفتحة كأنّه يرى فيها شيئاً لا يراه الآخرون. شفتاه تتحرّكان بلا صوت.
«سالم!» ناداه طارق.
لم يستجب.
«سالم!»
التفت ببطء، وكانت نظرته غائمة كأنّه يستيقظ من نوم عميق. «سمعتُ... سمعتُ اسمي من تحت».
تبادل طارق ونوّاف نظرة سريعة. ابتلع نوّاف ريقه وقال: «الصدى يلعب ألعاباً في الأماكن العميقة. لا شيء غير ذلك».
لكنّ صوته كان يرتجف.
بدأ النزول عند الساعة الثالثة عصراً. طارق أوّلاً، ثمّ سالم، ثمّ نوّاف. حبالٌ متينة، ومصابيح أمامية، وأجهزة اتصال لاسلكي. كلّ شيء كان مدروساً. كلّ شيء إلا ما كان ينتظرهم.
الجدران الداخلية كانت مغطاة بنقوش لم يرَ نوّاف مثلها في أيّ مرجع. أشكال بشرية بلا وجوه، أذرعها ممتدة نحو الأسفل، وتحتها دوائر متداخلة تضيق كلّما نزلت حتى تتلاشى في نقطة واحدة. وكلّما نزلوا أعمق، ازداد البرد، وازداد ذلك الصوت — الزفير — وضوحاً.
«عشرون متراً»، همس طارق في جهاز الاتصال.
الصمت.
«ثلاثون متراً».
توقّف الحبل فجأة. لم يعد يتحرّك. نظر طارق إلى الأعلى فلم يرَ سوى ظلام. اختفت الفتحة الدائرية التي كانت تُرسل خيطاً رفيعاً من الضوء. كأنّ أحداً أغلقها.
«نوّاف... هل أنت هناك؟»
أتى الصوت من جهاز الاتصال مشوّشاً، مقطّعاً، لكنّه لم يكن صوت نوّاف. كان صوت امرأة. تُردّد شيئاً بلغة لا يعرفها. ثمّ انقطع.
قالها سالم بهدوء مخيف: «إنّها تعرف أنّنا هنا».
«مَن؟» سأل طارق، وقد بدأ قلبه يدقّ بإيقاع لا يُطاق.
لم يُجب سالم. بل أشار بيده إلى الأسفل. وجّه طارق مصباحه. كان هناك قاعٌ مسطّح، على بعد أمتار قليلة فقط. لكنّ القاع لم يكن صخرياً. كان يتحرّك. سطحٌ أسود لامع يرتفع وينخفض... يرتفع وينخفض. كأنّه يتنفّس.
وصلت أقدامهم إلى الأرضية. كانت ليّنة ودافئة تحت أحذيتهم. كلّ خطوة كانت تُصدر صوتاً رطباً كأنّهم يمشون على جلد حيّ. في وسط القاع دائرة من الحجارة السوداء، وفي مركزها فجوة ضيّقة تنبعث منها رائحة حلوة مقزّزة، كرائحة الزهور المتعفّنة.
وقف نوّاف فوق الفجوة وأضاء مصباحه فيها. صرخ.
لم تكن صرخة خوف عادية. كانت صرخة رجل رأى شيئاً كسر عقله. سقط على ركبتيه وبدأ يحفر بأظافره في الأرض اللينة، يُمزّقها، يضحك ويبكي في الوقت نفسه.
«نوّاف! ماذا رأيت؟»
رفع نوّاف وجهه. عيناه كانتا مفتوحتين إلى أقصى حدّ، وبؤبؤاه قد اتّسعا حتى ابتلعا كلّ بياض. ابتسم ابتسامة لم تكن له — ابتسامة واسعة جامدة كأنّ أصابع غير مرئية تشدّ زاويتَي فمه.
قال بصوتٍ ليس صوته: «انظروا... إنّها جميلة... جميلة جداً...»
أمسك طارق بذراع سالم وصرخ: «نصعد! الآن!»
لكنّ سالم لم يتحرّك. وقف ينظر إلى الفجوة بعينين زجاجيتين. بدأت شفتاه تتشكّلان في الابتسامة ذاتها — الابتسامة الواسعة الجامدة.
«لا!» صرخ طارق وجذبه بكلّ قوّته. سقطا معاً. وفي تلك اللحظة، شعر طارق بشيء يلمس كاحله. لمسة باردة حريرية، كأصابع طفل. نظر فلم يرَ شيئاً. لكنّ اللمسة صعدت إلى ساقه، ثمّ فخذه، تتسلّق ببطء.
زحف. سحب سالم خلفه وزحف نحو الحبال. الجدران حوله بدأت تنبض — النقوش تتحرّك، الأشكال بلا وجوه تدير رؤوسها نحوه، أذرعها تمتدّ من الحجر كأنّها تخرج من ماء كثيف.
شدّ الحبل. تسلّق. سالم تحته يتسلّق بحركات آلية، عيناه لا تزالان فارغتين. خلفهم، من الأسفل، ارتفع صوت نوّاف يُردّد بنبرة طفولية: «لا تذهبوا... لا تتركوني مع الجميلة...»
ثمّ صمت.
صمتٌ أسوأ من أيّ صرخة.
وصل طارق إلى السطح وجسده يرتعش كأنّه في عاصفة ثلجية. سحب سالم خلفه. كان سالم يتنفّس لكنّه لم يكن حاضراً — عيناه مفتوحتان على لا شيء، وتلك الابتسامة لا تزال تتراقص على شفتيه.
نظر طارق إلى البئر. الزفير توقّف. حلّ صمت مطلق. ثمّ، من الأعماق، صعد صوت واحد — نَفَسٌ طويل، بطيء، كأنّ شيئاً يشبع بعد جوع طويل.
حمل طارق سالم على ظهره ومشى نحو سيارة الفريق. لم يلتفت. كان يعرف أنّه إن التفت، سيرى شيئاً. والأسوأ — قد يجده جميلاً.
وصلا إلى المخيّم عند الفجر. سالم لم ينطق كلمة واحدة طوال الطريق. فقط تلك الابتسامة. في اليوم التالي، وجدوه جالساً أمام خيمته، يحفر في الرمل بأظافره، يحفر دائرة. وفي مركز الدائرة، فجوة صغيرة، ينحني عليها ويهمس: «جميلة... جميلة جداً...»
أمّا طارق، فقد عاد إلى المدينة. أغلق على نفسه شقّته. سدّ كلّ فتحة، كلّ شقّ. لكنّ في الليل — في كلّ ليلة — يسمعه. ذلك الزفير. يأتي من تحت الأرضية. من تحت سريره. من تحت جلده.
وأحياناً، حين ينظر في المرآة في ساعات الفجر الأولى، يرى شيئاً يتشكّل على شفتيه.
ابتسامة.
واسعة.
جامدة.
✦الحكمة المستفادة
ثمّة أبوابٌ أُغلقت لحكمة أقدم من فضولنا، ومن يُصرّ على فتحها لا يخسر ما يجد فحسب، بل يخسر نفسه التي ظنّ أنّها ستعود كما كانت.
قصص مشابهة

الطابق الذي لا يُذكر
حين قبِل وسام العمل حارسًا ليليًّا في عمارة الحاج مرزوق المهجورة، لم يُخبره أحد بالطابق الرابع. لم يكن مدرجًا في المخطط، ولم يكن له زرّ في المصعد، لكنّ أصواته كانت أوضح من أيّ طابق آخر.
الحكمة: الفضول الذي لا يُصغي لتحذيرات من سبقونا قد يقودنا إلى أبواب لا تُفتح إلا في اتجاه واحد، والأماكن التي تُخفي أسرارها بإحكام إنّما تفعل ذلك لسبب وجيه.

المرآة التي تتنفس
في بيتٍ عتيقٍ تتسلّل منه رائحة العفن والذكريات، يكتشف ثامر مرآةً قديمة تعكس ما لا ينبغي أن يُرى. لكنّ ما يتربّص خلف الزجاج ليس شبحاً... بل شيئاً أقرب إليه مما تصوّر.
الحكمة: الخوف لا يملك سلطاناً إلّا على من يمنحه إذناً بالدخول؛ فمن واجه ظلامه بثباتٍ وجد النور ينتظره خلف آخر لحظة من الرعب.

الباب الذي لا يُغلق
في بيت جدّه المهجور، اكتشف سامر باباً لم يكن موجوداً من قبل. كان مفتوحاً بمقدار إصبع، ومن خلفه تسلّل همسٌ يعرف اسمه. لكن الرعب الحقيقي لم يكن خلف الباب... بل في ما اكتشفه حين نظر في المرآة.
الحكمة: ليس كلّ ما يدعوك بالاسم يعرفك حقاً، وليس كلّ فضول يستحقّ أن تتبعه — فبعض الأبواب حين تُفتح، لا تُغلق أبداً.