العودة إلى قصص أطفال
الببغاء الذي سرق ألوان القوس
قصص أطفال

الببغاء الذي سرق ألوان القوس

12 دقائق للقراءة
٦‏/٤‏/٢٠٢٦
0 مشاهدة
٥-١٠ سنوات
استمع للقصة
اضغط للاستماع

طق طق طق!

ثلاث نقرات حادة على نافذة غرفة "سلمى" أيقظتها من حلم جميل كانت تطير فيه فوق حقول من الزهور البنفسجية. فتحت عينيها ببطء، ثم فركتهما مرة... ومرتين... وثلاث مرات.

شيء غريب. شيء غريب جداً.

ملاءة سريرها التي كانت بالأمس زهرية اللون كزهرة الكرز... صارت رمادية! وخزانتها الخضراء كأوراق النعناع... رمادية أيضاً! حتى دبدوبها الأصفر الذي لا تنام بدونه أبداً، ذلك الدبدوب الذي سمّته "شمسة" لأنه كان يشبه قطعة من الشمس... صار رمادياً مثل حجر قديم!

قفزت سلمى من سريرها وركضت إلى النافذة. وهناك، وقف على حافة النافذة ببغاء صغير، ريشه يتلألأ بكل الألوان التي يمكن أن تتخيلها: أحمر وأزرق وأصفر وأخضر وبرتقالي وبنفسجي، كأن أحداً سكب عليه قوس قزح كاملاً.

نظر إليها الببغاء بعينيه اللامعتين كحبتي كرز سوداء، ثم مال برأسه وقال بصوت أجشّ مضحك:

«صباح الخير يا سلمى! أليس اللون الرمادي جميلاً؟ أنا أحبه كثيراً!»

ثم ضحك ضحكة عالية — قهقهقه! — ونفض ريشه الملون، وطار بعيداً تاركاً خلفه أثراً خفيفاً من غبار متلألئ.

أسرعت سلمى إلى الشرفة ونظرت إلى القرية. لم تصدق عينيها.

كل شيء... كل شيء صار رمادياً.

السماء التي كانت بالأمس زرقاء كعيني جدتها، صارت رمادية كبطانية قديمة. الأشجار فقدت خضرتها. أزهار حديقة الجيران ذبلت ألوانها. حتى القطة "مشمشة" التي كانت برتقالية كالمشمش — ولذلك سمّوها مشمشة — صارت رمادية وجلست على عتبة الباب تنظر إلى نفسها بحيرة، كأنها تقول: «من أنا الآن إن لم أكن برتقالية؟»

نزلت سلمى الدرج مسرعة — تك تك تك — وهي تقفز درجتين درجتين. وجدت أمها في المطبخ تحدق في إبريق الشاي.

«ماما! ماما! الألوان اختفت!»

نظرت الأم إلى ابنتها ذات السنوات السبع، وابتسمت ابتسامة حزينة:

«أعرف يا حبيبتي. استيقظ الجميع على هذا. يقولون إن ببغاء غريباً ظهر في القرية ليلاً، وكلما حطّ على شيء... امتصّ لونه!»

جلست سلمى على كرسي المطبخ وأسندت ذقنها إلى يديها. فكّرت وفكّرت. ثم قالت:

«رأيته يا ماما. كان على نافذتي. ريشه ملون جداً... كأنه سرق كل ألوان القرية ولبسها!»

في تلك اللحظة، طُرق باب البيت. كان "يوسف"، جار سلمى وصديقها منذ أن كانا في الثالثة من عمرهما. يوسف الذي لا يذهب إلى أي مكان بدون منظاره المكبّر المعلق في رقبته، لأنه يحب أن يفحص كل شيء عن قرب — النمل، أوراق الشجر، حبات الرمل — كل شيء.

«سلمى!» قال يوسف وهو يلهث، وقد ركض من بيته حتى بيتها. «سلمى! فحصت الأزهار بمنظاري. ليست مريضة. الألوان لم تمت... بل سُحبت منها! كأن أحداً شفطها بماصّة عصير عملاقة! شففف!»

نظرت سلمى إلى يوسف. نظر يوسف إلى سلمى. وفي الوقت نفسه، قالا معاً:

«يجب أن نجد ذلك الببغاء!»

***

خرج الصديقان من البيت وبدآ رحلتهما. كانت القرية حزينة بلا ألوان. الأطفال لا يلعبون. العصافير لا تغني. حتى عم "حسّان" الخبّاز الذي كان يغني كل صباح وهو يعجن الخبز، جلس صامتاً أمام فرنه.

«عم حسّان!» نادت سلمى. «هل رأيت الببغاء الملون؟»

مسح عم حسّان يديه بمنديله — الذي كان أبيض وصار... حسناً، بقي رمادياً مثل كل شيء — وقال:

«رأيته يا ابنتي. حطّ على وردة زوجتي الحمراء التي تعتني بها منذ ثلاث سنوات. لمسها بمنقاره، وشففف! صارت رمادية. ثم طار باتجاه التل الكبير.»

شكره الصديقان وانطلقا نحو التل. الطريق كان طويلاً، يمر عبر بستان الزيتون، ثم جسر النهر الصغير، ثم صعوداً بين الصخور.

في بستان الزيتون، توقفت سلمى فجأة.

«اسمع!» همست.

أصغى يوسف. سمع صوتاً خافتاً:

«أحمر لي... أزرق لي... أصفر لي... كل الألوان لي لي لي!»

كان الصوت قادماً من أعلى شجرة زيتون عجوز. نظرا إلى فوق، فرأيا الببغاء فرفور جالساً على غصن، يرتب ريشه الملون بمنقاره وهو يغني أغنيته.

تسلّق يوسف الشجرة بخفة — كان ماهراً في التسلق لأنه يتسلق الأشجار كل يوم ليراقب أعشاش الطيور بمنظاره. وصل إلى الغصن القريب من فرفور وقال بهدوء:

«مرحباً يا فرفور.»

انتفض الببغاء ونفش ريشه كأنه كرة ملونة ضخمة.

«كيف تعرف اسمي؟!»

«لا أعرف. ولكنك تبدو مثل فرفور.»

ضحك الببغاء رغماً عنه: «قهقهقه! حسناً، أنا فعلاً فرفور. ماذا تريد؟»

صاحت سلمى من أسفل الشجرة:

«نريد الألوان يا فرفور! لماذا أخذتها؟ القرية حزينة بدونها!»

أدار فرفور رأسه بعيداً وقال بصوت مختلف، صوت فيه شيء من الحزن لم يستطع إخفاءه:

«لا أريد أن أعيدها. الألوان لي الآن. أنا الأجمل. أنا الوحيد الملون في العالم كله!»

نزل يوسف من الشجرة ووقف بجانب سلمى. تهامسا قليلاً، ثم قالت سلمى:

«فرفور... لماذا تريد كل هذه الألوان؟»

صمت الببغاء لحظة طويلة. ثم لحظة أطول. ثم قال بصوت خافت كهمسة ريح:

«لأنني... لأنني كنت رمادياً.»

«رمادياً؟» قال يوسف.

«نعم!» صاح فرفور فجأة، وطار إلى غصن أقرب حتى صار في مستوى وجهيهما. «كنت ببغاء رمادياً! كل إخوتي كانوا ملونين: أخي الأكبر أحمر كالرمان، وأختي خضراء كالنعناع، وأخي الصغير أزرق كالسماء بعد المطر. وأنا؟ رمادي. رمادي مثل الغبار. كان الجميع ينظرون إلى إخوتي ويقولون: ما أجملهم! وأنا... لا أحد يراني. لا أحد.»

سكت فرفور، وانزلقت من عينه اللامعة دمعة صغيرة جداً، سقطت على ورقة الزيتون فتحولت الورقة فوراً إلى اللون الأخضر!

رأت سلمى ذلك. رآه يوسف أيضاً. نظرا إلى بعضهما بدهشة.

جلست سلمى على الأرض وقالت بصوت دافئ كالحليب الساخن في ليلة شتاء:

«تعال يا فرفور. اجلس هنا. أريد أن أحكي لك شيئاً.»

تردد فرفور. ثم طار ببطء وحطّ على ركبة سلمى. كان خفيفاً كريشة — وهو بالطبع مصنوع من الريش!

«أنا أيضاً...» بدأت سلمى، «أنا أيضاً أشعر أحياناً أنني غير مميزة. صديقتي نور ترسم لوحات جميلة جداً. وصديقتي ريم تركض أسرع من الجميع. وصديقي يوسف هذا — أشارت إليه — يعرف اسم كل حشرة وكل نبتة في القرية. وأنا؟ أحياناً أسأل نفسي: ما الشيء المميز فيّ؟»

رفع فرفور رأسه ونظر إليها باهتمام.

أكملت سلمى: «لكن جدتي قالت لي شيئاً لن أنساه أبداً. قالت: يا سلمى، التميز ليس أن تكوني مختلفة عن الآخرين. التميز أن تكوني أنتِ. بالضبط كما أنتِ.»

هز فرفور رأسه ببطء. ثم قال:

«لكنني كنت رمادياً ومملاً...»

«مملاً؟» قال يوسف وهو يجلس بجانبهما ويخرج منظاره المكبر. «انظر يا فرفور. هل تعرف أن الريش الرمادي حين تنظر إليه عن قرب — قرّب المنظار من ريشة فرفور الأصلية الصغيرة الرمادية المختبئة تحت كل تلك الألوان المسروقة — يكون فيه خطوط فضية دقيقة تلمع مثل خيوط الحرير؟ انظر بنفسك!»

nنظر فرفور في المنظار المكبر. ورأى ريشته الرمادية الأصلية. ورأى فيها فعلاً خطوطاً فضية رفيعة تتلألأ مثل أنهار صغيرة.

«هل... هل هذا أنا حقاً؟» سأل فرفور بصوت مرتجف.

«هذا أنت حقاً يا فرفور» قالت سلمى.

جلس الثلاثة في صمت لحظة. النسيم حرك أوراق الزيتون فأصدرت صوتاً ناعماً: حفف حفف حفف. وفي ذلك الصمت الجميل، حدث شيء.

بدأ فرفور يبكي.

ليس بكاء حزيناً، بل بكاء مثل المطر الذي ينزل والشمس ساطعة — بكاء يغسل القلب. ومع كل دمعة سقطت منه، سقط لون من ريشه. دمعة... وسقط اللون الأحمر على الأرض فركض مثل جدول صغير نحو القرية. دمعة أخرى... وسقط الأزرق وطار مثل فراشة نحو السماء. دمعة ثالثة... وقفز الأصفر كشعاع شمس.

واحد... اثنان... ثلاثة... أربعة... خمسة... ستة... سبعة ألوان!

سبعة ألوان قوس قزح انطلقت من ريش فرفور وعادت إلى العالم.

نظرت سلمى ويوسف إلى القرية من أعلى التلة. رأوا الألوان تعود مثل موجة بطيئة جميلة: السماء تزرقّ، الأشجار تخضرّ، أزهار حديقة الجيران تتفتح حمراء وصفراء وبنفسجية، والقطة مشمشة — هناك في الأسفل — تنظر إلى فرائها البرتقالي وتقفز من الفرح!

وفرفور؟

نظر إلى ريشه. رمادي. رمادي فضي جميل. مثل لون القمر في ليلة صافية.

لكنه لم يكن حزيناً هذه المرة. لأنه نظر في المنظار المكبر مرة أخرى، ورأى تلك الخطوط الفضية اللامعة، وابتسم.

«لكنني...» قال فرفور بخجل، «لكنني سرقت ألوانكم. هل ستسامحونني؟»

وضعت سلمى يدها برفق على رأسه الصغير ومسحت ريشه الناعم.

«الألوان عادت يا فرفور. وأنت عرفت شيئاً مهماً اليوم.»

«ماذا؟»

«أن الجمال الحقيقي لا يُسرق من الآخرين. الجمال الحقيقي هو ما نملكه بالفعل، حين نتعلم أن نراه.»

***

عاد الثلاثة إلى القرية معاً. فرفور على كتف سلمى، ويوسف يمشي بجانبهما وهو يفحص كل زهرة عادت إليها ألوانها ليتأكد أنها بخير.

وحين وصلوا، حدثت مفاجأة.

الأطفال الذين سمعوا القصة من أمهاتهم وآبائهم لم يكونوا غاضبين من فرفور. بل ركضوا نحوه وهم يصيحون:

«ببغاء! ببغاء فضي!»

«ما أجمل ريشه!»

«يلمع مثل النجوم!»

نفش فرفور ريشه — ليس بخوف هذه المرة، بل بفخر. فخر حقيقي. فخر بنفسه كما هو.

ومنذ ذلك اليوم، صار فرفور يعيش في شجرة الزيتون العجوز وسط قرية زهرة البستان. وكل صباح، يطير فوق البيوت ويغني أغنية جديدة:

«رمادي فضي، فضي رمادي... لوني جميل مثل كل الألوان في بلادي!»

وكان الأطفال يركضون خلفه ويضحكون ويصفقون. وكانت سلمى تنظر إليه من شرفتها وتبتسم. ويوسف يرفع منظاره المكبر ويقول:

«أتعلمون؟ حين تنظرون إلى أي شيء عن قرب... تكتشفون أنه أجمل مما تظنون.»

وفي كل مساء، حين تغيب الشمس وتصبغ السماء بالبرتقالي والوردي والبنفسجي، كان فرفور يحط على نافذة سلمى — طق طق طق — ويقول:

«شكراً يا سلمى. علّمتِني أن أرى نفسي.»

فتبتسم سلمى وتمسح ريشه الفضي وتهمس:

«كلنا نحتاج أحياناً من يساعدنا على ذلك يا صديقي.»

ثم تغلق النافذة برفق، وتنام وهي تحلم بقوس قزح فيه لون ثامن: اللون الفضي. لون فرفور.

وإذا مررتم يوماً بقرية زهرة البستان، وسمعتم ببغاء يغني فوق أشجار الزيتون، فارفعوا رؤوسكم وانظروا. سترون ريشاً فضياً يلمع تحت الشمس مثل قطعة من القمر ضلّت طريقها إلى النهار.

وتذكروا: لا تحتاجون أن تكونوا مثل أحد. يكفي أن تكونوا أنتم. بالضبط كما أنتم.

الحكمة المستفادة

الجمال الحقيقي ليس ما نأخذه من الآخرين، بل ما نكتشفه في أنفسنا حين نتعلم أن ننظر بعيون الحب. كلّ منا يحمل تميّزاً فريداً لا يحتاج أن يُسرق من أحد.

#قصص أطفال#قصص قصيرة#قصص عربية للأطفال#قصة قبل النوم#قصص تعليمية#تقبل الذات للأطفال#قصة الببغاء الملون#قصص حيوانات للأطفال#قصص أطفال تعليمية#قصص مغامرات أطفال#الثقة بالنفس للأطفال#قصص عربية مكتوبة

قصص مشابهة

مفتاح الألوان السبعة - قصص قصيرة
قصص أطفال

مفتاح الألوان السبعة

حين اختفت الألوان من حديقة جدّتها فجأة، لم تجد "نورة" أمامها سوى مفتاح خشبي غريب وخريطة مرسومة بالحبر الفضي. سبعة ألغاز عليها حلّها قبل غروب الشمس، وإلا ستبقى الحديقة رمادية إلى الأبد!

الحكمة: الجمال لا يختفي من العالم، بل يختفي من عيون من يتوقّف عن الانتباه. من يحبّ ما حوله ويتأمّله بعناية كلّ يوم، لن يفقد ألوانه أبداً.

12 دقائق
سُنونوَّة الألوان وبائع المظلّات - قصص قصيرة
قصص أطفال

سُنونوَّة الألوان وبائع المظلّات

حين هبطت سنونوة صغيرة فوق عربة بائع المظلّات الذي لا يبيع شيئاً، بدأت مغامرة لم يتوقّعها أحد: مظلّات تتحوّل إلى أشرعة، وألوان تُعيد لحيّ بأكمله ابتسامته المفقودة. قصة عن سحر المشاركة حين يجتمع الكبير والصغير.

الحكمة: الألوان الحقيقيّة ليست تلك التي نراها بالعين وحدها، بل تلك التي نجرؤ على مشاركتها مع الآخرين. وما نحتفظ به لأنفسنا يبقى مظلّة مطويّة، لكنّ ما نشاركه يصبح سماءً بأكملها.

12 دقائق
النحلة التي نسيت كيف تطير - قصص قصيرة
قصص أطفال

النحلة التي نسيت كيف تطير

حين استيقظت النحلة زُمُرُّدة ذات صباح ووجدت أنها لا تستطيع تحريك جناحيها، ظنّت أن العالم قد انتهى. لكنّ رحلتها سيراً على الأقدام عبر الحديقة الكبيرة كشفت لها عالماً لم تره قطّ من الأعلى، وأصدقاءَ لم تكن لتعرفهم لولا أنها توقّفت عن الطيران.

الحكمة: ما نظنّه عجزاً قد يكون نافذة على عالم لم نكن لنراه لولا أن توقّفنا. فالبطء ليس ضعفاً، والتوقّف ليس نهاية، بل هو فرصة لنكتشف جمالاً كان مختبئاً تحت أقدامنا طوال الوقت.

12 دقائق