العودة إلى قصص معبرة
الجسر الذي لم يعبره أحد
معبرة

الجسر الذي لم يعبره أحد

2 دقائق للقراءة
١١‏/٣‏/٢٠٢٦
0 مشاهدة
للكبار
استمع للقصة
اضغط للاستماع

الحبل تأرجح تحت قدميه كحيّة جريحة، والريح صفعت وجهه بقسوة لم يعرفها من قبل.

وقف سامر على حافة الجسر الحجري المعلّق بين جبلين، ونظر إلى الأسفل. لم يرَ القاع. رأى فقط ضباباً رمادياً يتلوّى كأنه كائن حيّ ينتظر وجبته. ابتلع ريقه، وشدّ حزام الحقيبة الجلدية على ظهره حتى غاصت أطرافها في كتفيه، ثم خطا الخطوة الأولى.

كان عمره أربعة عشر عاماً فقط حين أخبره العطّار العجوز في القرية: «الدواء الوحيد لأبيك ينبت خلف جسر المهالك. لم يعبره أحد منذ ثلاثين سنة. آخر من حاول... لم يعد.»

لم يرتجف سامر حين سمع ذلك. ارتجف حين تذكّر صوت أبيه وهو يسعل في الفجر، سعالاً يبدو كأنه يمزّق صدره من الداخل، وأمه تجلس بجانبه صامتةً، تعصر طرف ثوبها بأصابع بيضاء من شدة القبض.

الخطوة الخامسة. تأرجح الجسر. حجرة صغيرة انفلتت من تحت حذائه وسقطت في الفراغ. عدّ سامر الثواني قبل أن يسمع ارتطامها. واحدة... اثنتان... ثلاث... أربع. لم يسمع شيئاً. بلع خوفه كما يبلع المرء حبّة دواء مُرّة، ومضى.

عند منتصف الجسر، هبّت عاصفة لم تكن في الحسبان. الألواح الخشبية تحته أخذت تئنّ كعجوز متعب. تشبّث بالحبال حتى احتكّت بجلد كفّيه فسال الدم الدافئ بين أصابعه. رائحة الصدأ والحديد القديم ملأت أنفه. أغمض عينيه وتذكّر يد أبيه الخشنة وهي تمسح شعره ليلاً، تلك اليد التي لم تعد قادرة على رفع كوب الماء.

فتح عينيه. مضى.

الخطوات الأخيرة كانت الأصعب. الألواح مكسورة، فقفز بين الفجوات كظبي يهرب من مصيره. وحين وطئت قدمه الصخر الصلب على الجانب الآخر، سقط على ركبتيه يلهث.

أمامه وادٍ أخضر مذهل، تفوح منه رائحة النعناع البري والزعتر. وهناك، بين الصخور الرطبة، رأى الزهرة البنفسجية التي وصفها العطّار. ركض إليها بكل ما تبقى في ساقيه من قوة، وانحنى ليقطفها بأصابع مرتجفة.

لكنه توقف.

بجانب الزهرة، محفورة في الصخر بخطٍّ لا يخطئه، كانت هناك كلمات. قرأها مرة. ومرتين. وثلاثاً. ثم جلس على الأرض الباردة وبكى بصوتٍ لم يسمعه أحد غير الجبل.

كان المحفور يقول:

«عبرتُ الجسر من أجلك يا سامر. لم أجد الزهرة. أرجو أن تسامحني. - أبوك.»

تلك اليد التي لم تعد تقوى على حمل كوب الماء... كانت قد عبرت هذا الجسر ذات يوم، من أجله هو.

الحكمة المستفادة

الشجاعة الحقيقية ليست أن تعبر الجسر من أجل من تحب، بل أن تكتشف أن من تحبهم قد عبروه قبلك من أجلك، في صمتٍ لم تسمعه أبداً.

#قصص معبرة ومؤثرة#قصة قصيرة#قصص عربية#قصص مغامرات#قصص عن الأب#قصص تضحية#قصص مؤثرة عن الحب#قصص للمراهقين#قصص شجاعة#قصة الجسر#قصص عربية قصيرة#قصص ذات عبرة

قصص مشابهة

جَدّتي والنجمة الصغيرة - قصص قصيرة
معبرة

جَدّتي والنجمة الصغيرة

حين غابت جدّة سارة عن البيت، ظنّت الطفلة أنّ الدنيا فقدت نورها. لكنّ نجمةً صغيرة في السماء كانت تحمل سرّاً جميلاً سيُعيد الضوء إلى قلبها.

الحكمة: مَن نحبّهم لا يرحلون حقّاً، فهم يعيشون في عاداتنا الصغيرة، وفي الروائح التي تذكّرنا بهم، وفي قلوبنا التي تحفظهم إلى الأبد.

4 دقائق
4
0
سارة والمفتاح السحري للمعرفة - قصص قصيرة
معبرة

سارة والمفتاح السحري للمعرفة

سارة الصغيرة التي تكره القراءة تكتشف مفتاحاً عجيباً في المكتبة القديمة، وتنطلق في مغامرة مدهشة تغير نظرتها للكتب إلى الأبد.

الحكمة: الكتب هي أبواب سحرية تنقلنا إلى عوالم لا محدودة، فبالقراءة نسافر عبر الزمان والمكان ونكتشف معارف وثقافات جديدة تثري أرواحنا وتوسع آفاقنا

5 دقائق
3
0
الطابق الذي لا يُذكر - قصص قصيرة
رعب

الطابق الذي لا يُذكر

حين قبِل وسام العمل حارسًا ليليًّا في عمارة الحاج مرزوق المهجورة، لم يُخبره أحد بالطابق الرابع. لم يكن مدرجًا في المخطط، ولم يكن له زرّ في المصعد، لكنّ أصواته كانت أوضح من أيّ طابق آخر.

الحكمة: الفضول الذي لا يُصغي لتحذيرات من سبقونا قد يقودنا إلى أبواب لا تُفتح إلا في اتجاه واحد، والأماكن التي تُخفي أسرارها بإحكام إنّما تفعل ذلك لسبب وجيه.

7 دقائق
1
0