
الصدى الذي لا ينام
لم تكن الريح هي التي تئنّ تلك الليلة، بل شيءٌ آخر يتنفّس تحت الرمال.
عرف نوّاف ذلك حين توقّف محرك السيارة فجأةً وسط العدم، وسط تلك الرقعة من الربع الخالي التي لا يطأها البدو ولا تعبرها القوافل. أدار المفتاح مرّةً، مرّتين، ثلاثاً. لا شيء سوى صمتٍ ثقيلٍ كأنّ الصحراء ابتلعت كلّ صوتٍ في جوفها.
قال منصور من المقعد الخلفي وهو يمسح عدسة كاميرته بطرف كوفيّته: «أخبرتكما أنّ هذا الطريق ملعون. الخرائط القديمة تشير إلى هذه المنطقة بدائرةٍ سوداء بلا اسم.»
أمّا سلطان، أكبرهم سنّاً وأقلّهم كلاماً، فقد كان ينظر من النافذة إلى نقطةٍ ثابتةٍ في الظلام. أشار بإصبعه المرتجف: «هناك... هل ترون؟»
على بُعد مئة خطوةٍ تقريباً، بدت حافّة حجريّة تبرز من الرمل كفكٍّ مفتوح. بئرٌ قديمة، حجارتها منقوشةٌ بكتابةٍ لم يستطع أيٌّ منهم قراءتها حين اقتربوا منها بمصابيحهم. كانت الأحرف تبدو وكأنّها تتلوّى كلّما تحرّك الضوء فوقها.
انحنى منصور فوق الفوهة وصاح: «هل من أحد؟»
عاد صوته بعد لحظة. لكنّه لم يكن صدىً حقيقياً. الصوت الذي صعد من البئر قال بنبرة منصور ذاتها، بوضوحٍ مخيف: «أنا هنا... منذ زمن.»
تراجع منصور كأنّما لسعته أفعى. نظر إلى رفيقيه بعينين جاحظتين. ابتلع ريقه. همس: «لم أقل ذلك.»
قال نوّاف وهو يحاول أن يبدو متماسكاً: «الصدى يتشوّه أحياناً بسبب شكل التجويف. فيزياء بسيطة.»
لكنّ سلطان كان يتراجع بالفعل. كان يتذكّر ما حكاه جدّه عن آبار الجنّ المنتشرة في الربع الخالي، تلك الآبار التي لا ماء فيها بل أصواتٌ تنتظر من يطعمها صوته. قال جدّه: «إن أجابتك البئر، فقد عرفت اسمك. وإن عرفت اسمك، فقد امتلكتك.»
لم يستطع أن يُخبرهما. شيءٌ في حنجرته منعه.
أمسك منصور بكاميرته ودلّاها داخل البئر بحبلٍ وجده قرب الحافّة - حبلٌ جديدٌ بشكلٍ مريب في مكانٍ لم تطأه قدمٌ منذ عقود. حين سحبها بعد دقيقة، كانت الشاشة تعرض ظلاماً تامّاً. ثمّ، في الثانية الأخيرة من التسجيل، وجهٌ. لا، ليس وجهاً بالضبط. كان أشبه بتجويفٍ في الظلام له ملامح، كأنّ العتمة نفسها قرّرت أن تبتسم.
قال نوّاف بصوتٍ مبحوح: «هذا خللٌ في العدسة.»
لكنّ يديه كانتا ترتجفان.
ثمّ جاء الصوت الثاني. هذه المرّة لم ينادِ أحد. خرج من البئر وحده، واضحاً كنداءٍ في ليلةٍ ساكنة: «نوّاف... منصور... سلطان.»
ثلاثة أسماء. بالترتيب. بنبرةٍ هادئةٍ كأنّها تُعدّد أسماء ضيوفٍ على مائدة.
ركض سلطان. لم يلتفت. سمع خطواته تضرب الرمل الصلب، وسمع خلفه صوت منصور يصرخ: «انتظر!» لكنّه سمع أيضاً شيئاً آخر: خطواتٍ ثالثة لا تنتمي لأيٍّ منهم، خطواتٍ تخرج من البئر ذاتها، ثقيلةً ورطبةً كأنّها تصعد من قاعٍ مائيّ لا وجود له.
وصل إلى السيارة. أدار المفتاح. اشتعل المحرك فوراً كأنّه لم يتعطّل قطّ.
نظر في المرآة. رأى منصوراً يركض نحوه، وخلف منصور ظلٌّ أطول منه بكثير، ظلٌّ بلا جسدٍ يُلقيه. لكنّه لم يرَ نوّافاً.
صرخ منصور وهو يقفز إلى السيارة: «انطلق! انطلق!»
«أين نوّاف؟»
لم يُجب منصور. كان ينظر إلى يديه. كانتا مبلّلتين بماءٍ أسود لزج، ماءٍ رائحته كالتراب القديم والعظام المطحونة.
انطلقت السيارة تشقّ الليل. لم يتكلّم أيٌّ منهما لساعة كاملة.
حين وصلا إلى أوّل محطّة وقود على أطراف الحضر، نزل سلطان ليغسل وجهه. نظر في مرآة الحمّام المتّسخة. كان وجهه شاحباً، عيناه غائرتين. لكنّ شيئاً آخر جمّده في مكانه.
في انعكاس المرآة، خلف كتفه مباشرةً، رأى فوهة البئر. مستديرةً. مفتوحةً. وفي قاعها، وجه نوّاف ينظر إليه بعينين فارغتين، وابتسامةٍ لم تكن يوماً ابتسامة نوّاف.
فتح فمه ليصرخ.
لكنّ الصوت الذي خرج من حنجرته لم يكن صوته.
كان صدىً.
✦الحكمة المستفادة
ثمّة أبوابٌ في هذا العالم لا يُفتح أقفالها بالمفاتيح، بل بالفضول. ومن فتحها لا يعود كما كان، إن عاد.
قصص مشابهة

الطابق الذي لا يُذكر
حين قبِل وسام العمل حارسًا ليليًّا في عمارة الحاج مرزوق المهجورة، لم يُخبره أحد بالطابق الرابع. لم يكن مدرجًا في المخطط، ولم يكن له زرّ في المصعد، لكنّ أصواته كانت أوضح من أيّ طابق آخر.
الحكمة: الفضول الذي لا يُصغي لتحذيرات من سبقونا قد يقودنا إلى أبواب لا تُفتح إلا في اتجاه واحد، والأماكن التي تُخفي أسرارها بإحكام إنّما تفعل ذلك لسبب وجيه.

المرآة التي تتنفس
في بيتٍ عتيقٍ تتسلّل منه رائحة العفن والذكريات، يكتشف ثامر مرآةً قديمة تعكس ما لا ينبغي أن يُرى. لكنّ ما يتربّص خلف الزجاج ليس شبحاً... بل شيئاً أقرب إليه مما تصوّر.
الحكمة: الخوف لا يملك سلطاناً إلّا على من يمنحه إذناً بالدخول؛ فمن واجه ظلامه بثباتٍ وجد النور ينتظره خلف آخر لحظة من الرعب.

الباب الذي لا يُغلق
في بيت جدّه المهجور، اكتشف سامر باباً لم يكن موجوداً من قبل. كان مفتوحاً بمقدار إصبع، ومن خلفه تسلّل همسٌ يعرف اسمه. لكن الرعب الحقيقي لم يكن خلف الباب... بل في ما اكتشفه حين نظر في المرآة.
الحكمة: ليس كلّ ما يدعوك بالاسم يعرفك حقاً، وليس كلّ فضول يستحقّ أن تتبعه — فبعض الأبواب حين تُفتح، لا تُغلق أبداً.