
الطابق الذي لا يُذكر
الرائحة هي ما لاحظه أوّلًا. لم تكن رائحة عفن أو غبار كما يتوقّع المرء من بناية أُغلقت عشرين سنة، بل رائحة بخور يمنيّ ثقيل، كأنّ أحدًا يُحرقه في تلك اللحظة بالذات خلف أحد الجدران.
وسام منصور، ثلاثون عامًا وبضعة أشهر من البطالة، أسند ظهره إلى كرسي الحراسة في البهو الرخامي وأشعل سيجارته الأخيرة. كان الضوء الوحيد يأتي من مصباح نيون يرمش فوق رأسه كجفن تعب، يُلقي ظلالًا مرتعشة على الأعمدة الكلسيّة التي تصطفّ كجنود منسيّين. قال له المعلّم أبو ناصر حين سلّمه المفاتيح: «اسمع يا ابني، خمسة طوابق. تطلع تلفّ، تنزل تقعد. لا تفتح شبّاكًا ولا تردّ على صوت.» سأله وسام ضاحكًا: «أيّ صوت؟» فنظر إليه أبو ناصر بعينين جافّتين كحجر، ولم يُجب.
في الليلة الأولى لم يحدث شيء. وفي الثانية أيضًا. لكنّ الثالثة كانت مختلفة.
كانت الساعة تُشير إلى الثانية وسبع عشرة دقيقة فجرًا حين سمع وسام صوت كرسيّ يُجرّ فوق بلاط. ليس صريرًا غامضًا يمكن أن يُنسب إلى الريح أو انكماش المعدن، بل صوت أرجل كرسيّ خشبيّ تُسحب بوضوح شديد على أرض صلبة. جاء الصوت من فوق. من مكان بين الطابق الثالث والخامس.
صعد وسام الدرج ومصباحه اليدويّ يرسم دائرة مرتجفة على الجدران. عدّ الطوابق: الأوّل، الثاني، الثالث. توقّف. كان يعرف أنّ الدرج يجب أن يقوده مباشرة إلى الخامس، فالمبنى وفق المخطّط المعلّق في البهو لا يحتوي إلا على خمسة طوابق والرابع ليس موجودًا - أي أنّ الترقيم يقفز من الثالث إلى الخامس، كما يحدث في بعض الفنادق التي تتجنّب الرقم ثلاثة عشر. لكنّ قدميه أحصتا مجموعة درجات إضافيّة بين الثالث والخامس. مجموعة كاملة من ستّ عشرة درجة تنتهي ببسطة ضيّقة وباب حديديّ بلا رقم.
كان الباب مغلقًا. وضع أذنه عليه. صمت. ثمّ، من بعيد جدًّا كأنّه يأتي من قعر بئر، سمع صوت طفل يُعدّ: «واحد... اثنان... ثلاثة...»
انسحب وسام ونزل الدرج دون أن يركض. أقنع نفسه بأنّ الصوت قادم من الشارع، من أطفال يلعبون - في الثانية فجرًا. لم يكن الإقناع محكمًا، لكنّه كان كافيًا لينام ساعتين على كرسيّه.
في اليوم التالي ذهب إلى مكتب أبو ناصر في السوق القديم. وجده يجلس خلف طاولة معدنيّة ويشرب شايًا ثقيلًا بالميرميّة. سأله مباشرة:
«ما قصّة الطابق الرابع؟»
توقّفت يد أبي ناصر في منتصف الطريق بين الطاولة وفمه. «أيّ طابق رابع؟»
«بين الثالث والخامس. فيه باب حديد بلا رقم.»
وضع أبو ناصر الكأس ببطء. «اسمع يا وسام. هالعمارة بناها الحاج مرزوق سنة ألف وتسعمئة وواحد وسبعين. كانت أفخم بناية في الحيّ. سكنها ناس محترمين. بعدين صار اللي صار.»
«اللي صار إيش؟»
مسح أبو ناصر فمه بظاهر كفّه. «الحاج مرزوق كان عنده بنت اسمها وداد. عمرها ما طلعت من العمارة. يقولون كان يخبّيها في طابق بنيّ خصّيصًا. طابق بلا شبابيك. لمّا مات الحاج، ما لقوها. لا جثّة ولا أثر. كأنّها ذابت في الجدران.»
صمت طويل. ثمّ أضاف أبو ناصر بصوت خفيض: «اللي قبلك ما كمّل أسبوع. واللي قبله كمان. إذا بدّك نصيحتي، لا تطلع على ذاك الطابق. خذ معاشك وطأطئ راسك.»
لكنّ وسام لم يكن من النوع الذي يطأطئ. ربّما لأنّ الفضول كان أقوى من خوفه. أو ربّما لأنّ شيئًا في ذلك الصوت الطفوليّ لمس فيه وترًا ما - هو الذي فقد أخته الصغرى في حادثة غرق قبل عشر سنوات ولم يغفر لنفسه أنّه لم يكن هناك.
في الليلة الرابعة، صعد ومعه مفتاح إنجليزيّ ثقيل كسلاح وشمعة بيضاء. وقف أمام الباب الحديديّ. هذه المرّة لم ينتظر. دفعه. انفتح الباب بسهولة مخيفة، كأنّه كان في انتظاره.
الممرّ خلف الباب كان أطول ممّا ينبغي. أطول من عرض المبنى نفسه. هذا مستحيل هندسيًّا، لكنّ وسام كان يمشي فيه، وكلّ خطوة كانت تبتلع الخطوة التي قبلها في صمت كثيف كالقطيفة. الجدران مطليّة بلون أزرق داكن، وعلى جانبيها أبواب خشبيّة صغيرة مرقّمة بخطّ طفوليّ: واحد، اثنان، ثلاثة...
عند الباب المرقّم بالسبعة، توقّف. لأنّه سمعها. تلك الأغنية. أغنية أطفال قديمة كانت أمّه تُغنّيها: «يا حلوة يا نونو، نامي عالبير، جاكي أبو السلاسل...» لكنّ الصوت لم يكن صوت طفل هذه المرّة. كان صوت امرأة عجوز، أو شيء يتظاهر بأنّه امرأة عجوز، والنبرة فيها شيء معوجّ، كلحن يُعزف على آلة مكسورة.
فتح الباب.
الغرفة كانت صغيرة، بلا نوافذ كما وصف أبو ناصر. في وسطها كرسيّ خشبيّ - الكرسيّ نفسه الذي سمع صريره - وعلى الجدار رسومات بأقلام شمعيّة: أشجار وبيوت وشمس صفراء، رسومات طفلة لم ترَ العالم إلّا من خيالها. وفي الزاوية، ظلّ.
لم يكن ظلًّا عاديًّا. لأنّه لم يكن مرتبطًا بجسم. كان يجلس في الزاوية كبقعة سوداء أغمق من الظلام نفسه، وكان يتنفّس. نعم، كان وسام يسمع نفسًا رقيقًا، طفوليًّا، مكسورًا.
«وداد؟» همس.
توقّف النَّفَس. ثمّ، ببطء، التفت الظلّ. لم يكن له وجه، لكنّ وسام شعر بعينين تنظران إليه من داخل ذلك السواد. شعر بهما على جلده كأصابع باردة.
«أنتَ مش أبي،» قال الظلّ بصوت طفلة. «أبي ما بيجي بالليل. أبي بيجي بالنهار ويقفل الباب ويقول عدّي يا وداد. عدّي لحتّى أرجع.»
«واحد... اثنان... ثلاثة...» بدأ الظلّ بالعدّ.
أراد وسام أن يركض. كلّ خليّة في جسده كانت تصرخ بالهرب. لكنّ ساقيه لم تتحرّكا. لأنّ الأرض تحته صارت طريّة، كأنّها تمتصّه. نظر إلى أسفل فرأى يديه قد بدأتا تفقدان لونهما، تصيران شفّافتين عند الأطراف.
«عدّي معي،» قالت وداد. «عدّي معي لحتّى يرجع أبي.»
وفهم وسام. فهم أنّ الحاج مرزوق لم يُخبئ ابنته. بل أطعمها للمبنى. قدّمها قربانًا لشيء ساكن في الجدران، شيء يحتاج إلى أرواح تعدّ له في الظلام حتّى لا يستيقظ. وكلّ حارس جديد كان وجبة مؤجّلة.
«أربعة... خمسة... ستّة...»
حاول أن يصرخ. لم يخرج صوت. حاول أن يمدّ يده نحو الباب. لكنّ الباب لم يعد هناك. الجدران ضاقت. الرسومات على الحائط تحرّكت - الشمس الصفراء صارت سوداء، والأشجار مدّت أغصانها نحوه كأذرع جائعة.
آخر ما رآه وسام قبل أن يبتلعه الظلام كان وجه وداد. لا، ليس وجهًا. بل حفرة بشكل وجه، فراغ أسود بابتسامة بيضاء عريضة جدًّا، أعرض ممّا ينبغي لفم بشريّ.
«سبعة... ثمانية...»
في الصباح، جاء أبو ناصر بمفاتيح بديلة. وجد كرسيّ الحراسة فارغًا، والسيجارة الأخيرة لا تزال تحترق في المنفضة كأنّها أُشعلت منذ دقائق. صعد إلى الطابق الثالث ونظر إلى الأعلى. لم يكن هناك درج إضافيّ. لا بسطة. لا باب حديديّ. فقط جدار أملس.
لكنّه سمع، من خلف ذلك الجدار، صوتين يعدّان معًا. صوت طفلة وصوت رجل. «تسعة... عشرة... أحد عشر...»
أنزل أبو ناصر رأسه، وأغلق باب العمارة خلفه بالقفل، ومشى في الشارع المبلّل بمطر الفجر دون أن يلتفت.
في جيبه، بدأ يكتب إعلانًا جديدًا: «مطلوب حارس ليليّ. الراتب مغرٍ. لا يُشترط خبرة.»
✦الحكمة المستفادة
الفضول الذي لا يُصغي لتحذيرات من سبقونا قد يقودنا إلى أبواب لا تُفتح إلا في اتجاه واحد، والأماكن التي تُخفي أسرارها بإحكام إنّما تفعل ذلك لسبب وجيه.
قصص مشابهة

المرآة التي تتنفس
في بيتٍ عتيقٍ تتسلّل منه رائحة العفن والذكريات، يكتشف ثامر مرآةً قديمة تعكس ما لا ينبغي أن يُرى. لكنّ ما يتربّص خلف الزجاج ليس شبحاً... بل شيئاً أقرب إليه مما تصوّر.
الحكمة: الخوف لا يملك سلطاناً إلّا على من يمنحه إذناً بالدخول؛ فمن واجه ظلامه بثباتٍ وجد النور ينتظره خلف آخر لحظة من الرعب.

الباب الذي لا يُغلق
في بيت جدّه المهجور، اكتشف سامر باباً لم يكن موجوداً من قبل. كان مفتوحاً بمقدار إصبع، ومن خلفه تسلّل همسٌ يعرف اسمه. لكن الرعب الحقيقي لم يكن خلف الباب... بل في ما اكتشفه حين نظر في المرآة.
الحكمة: ليس كلّ ما يدعوك بالاسم يعرفك حقاً، وليس كلّ فضول يستحقّ أن تتبعه — فبعض الأبواب حين تُفتح، لا تُغلق أبداً.

الغرفة التي تتنفّس
حين انتقل نوّاف إلى شقّته الجديدة، لاحظ أنّ جدران غرفة النوم تتمدّد وتنكمش كصدر نائم. ظنّ الأمر وهماً، لكنّ الجدران لم تكن وحدها ما يتنفّس في ذلك المكان.
الحكمة: ليس كلُّ ما يبدو ساكناً ميّتاً، وليس كلُّ مأوى آمناً — فالغفلة عن العلامات التي يبعثها الخطر هي أوّل خطوة نحو الهاوية.