
الطابق الذي لا يُذكَر
الباب الحديدي لم يصدر صريراً حين دفعه فاروق بكتفه. كان ينبغي أن يصدر صريراً. كل شيء في هذه العمارة يصرّ ويئنّ ويتنهّد كأنها كائن عجوز يرفض الموت، لكن هذا الباب تحديداً انزلق في صمت مريب، كأنه كان ينتظر.
وقف فاروق مبارك في العتبة، يمسح العرق عن جبينه بظاهر يده، ويحدّق في الممر الذي انفتح أمامه. كان الضوء هناك مختلفاً — لا هو ضوء كهرباء ولا هو ضوء نهار يتسلل من نافذة. كان ضوءاً رمادياً ساكناً، كأن الهواء نفسه يتوهّج بإشعاع خافت لا مصدر له.
أخرج هاتفه وفتح تطبيق المسجّل الصوتي — عادة اكتسبها منذ سنوات عمله الأولى في ترميم المباني الأثرية. كان يسجّل ملاحظاته صوتياً لأن يديه غالباً ما تكونان مشغولتين بالقياسات.
«الأربعاء، السابع عشر من أكتوبر. الساعة الثالثة وأربعون دقيقة ظهراً. أنا الآن في عمارة المعلّم حسن بهجت، شارع محمد علي، حي الخليفة. اكتشفت مدخلاً لطابق كامل بين الثالث والرابع لا يظهر في أي من المخططات الأصلية ولا الإضافية. الباب كان مخفياً خلف طبقتين من الجبس في بئر السلّم. أدخل الآن لأول مرة.»
خطا خطوته الأولى.
الأرضية تحت قدميه كانت من بلاط هيدروليكي قديم — زهور زرقاء وبيضاء متشابكة في نمط لم يرَ مثله في أي عمارة مصرية من الحقبة ذاتها. البلاط نظيف. هذا ما أزعجه. نظيف تماماً، وكأن أحداً مسحه هذا الصباح. لا غبار، لا خيوط عنكبوت، لا فضلات حشرات. في طابق مغلق ربما منذ عقود.
الممر كان طويلاً أكثر مما ينبغي. حسب حساباته الهندسية، لا يمكن لهذا الممر أن يمتد أكثر من اثني عشر متراً — هذا هو عرض العمارة الكامل. لكنه مشى عشرين خطوة، ثلاثين، ولم يصل إلى نهايته.
على جانبي الممر، أبواب خشبية متقابلة، كل منها يحمل رقماً نحاسياً. لكن الأرقام لم تكن منطقية: ١٧، ثم ٣، ثم ٤١، ثم ٠. باب يحمل الرقم صفر.
توقف أمامه.
«باب يحمل الرقم صفر. الخشب من الجوز — تصنيع يدوي، على الأرجح من العشرينيات أو الثلاثينيات. المقبض نحاسي على شكل يد مقبوضة. لا أسمع شيئاً من الداخل.»
وضع أذنه على الخشب. لا شيء. ثم — وبالكاد التقطتها أذنه — زفرة. طويلة. بطيئة. كأن شخصاً نائماً على الجانب الآخر يتنفّس في نومه.
سحب رأسه بسرعة. وقف يحدّق في الباب وقلبه يدقّ. ثم ضحك من نفسه — ضحكة عصبية قصيرة. التمديدات، قال لنفسه. المواسير القديمة تصدر أصواتاً كهذه طوال الوقت. الماء يتحرك في الأنابيب، ويخلق ما يشبه التنفّس.
مضى يمشي.
الباب التالي كان يحمل الرقم ٧٧. وبعده باب بلا رقم على الإطلاق — فقط أثر مستطيل على الخشب حيث كانت اللوحة النحاسية قبل أن ينزعها أحدهم. أو قبل أن تسقط وحدها.
عند منتصف الممر تقريباً — أو ما قدّره بالمنتصف، لأن الممر لم يكن يبدو كأنه سينتهي — لاحظ فاروق شيئاً جعله يتوقف.
على الجدار الأيسر، في الفراغ بين بابين، كانت هناك لوحة. لوحة زيتية في إطار ذهبي باهت. صورة عائلية: رجل بشارب كث يجلس على كرسي، وخلفه امرأة واقفة بثوب أسود، وحولهما خمسة أطفال بأعمار متفاوتة. وجوههم جامدة كما في صور تلك الحقبة، لكن عيونهم —
حدّق فاروق في العيون.
كلهم — الرجل والمرأة والأطفال الخمسة — كانوا ينظرون في اتجاه واحد. ليس نحو الكاميرا كما هو معتاد. كانوا ينظرون إلى يمين اللوحة. نحو نقطة خارج الإطار. وفي عيونهم جميعاً — حتى الطفل الأصغر الذي لا يبدو أنه تجاوز الثالثة — تعبير واحد موحّد.
رعب.
رعب صامت مجمّد في زيت وقماش.
«لوحة زيتية على الجدار. عائلة من سبعة أفراد. يبدو أنها من أوائل القرن العشرين. كلهم ينظرون نحو اليمين بتعبير... بتعبير يصعب وصفه. سأصوّرها.»
رفع الهاتف لالتقاط صورة. لكن الشاشة ظهرت سوداء. ضغط مرة أخرى. سوداء. الكاميرا تعمل — يستطيع رؤية أيقونتها — لكن كل ما تلتقطه هو سواد مطلق.
حاول تصوير الممر نفسه. سواد.
حاول تصوير يده. سواد.
شعر بوخزة باردة في أسفل عموده الفقري.
نظر إلى ساعته. الثالثة وأربع وأربعون دقيقة. دقيقة واحدة فقط مرّت منذ دخل. هذا مستحيل. لقد مشى لدقائق طويلة، وتوقف، وسجّل، واستمع. لا يمكن أن يكون كل ذلك قد حدث في دقيقة.
ثم لاحظ أن عقرب الثواني لا يتحرك.
الساعة توقفت.
أخرج هاتفه. الساعة على الشاشة: ٣:٤٤.
لم تتغير.
سحب نفَساً عميقاً. ثم آخر. ثم قال بصوت مرتفع، لأن صوته المرتفع كان يطمئنه:
«توقفت الساعة. ربما مجال مغناطيسي من أسلاك قديمة في الجدران. الكاميرا لا تعمل. سأكمل الاستكشاف وأعود لاحقاً بالمعدات.»
لكنه لم يكمل. بل وقف حيث هو. لأنه سمع شيئاً.
خلفه.
ليس أمامه حيث يمتد الممر المجهول. خلفه. من الاتجاه الذي جاء منه.
صوت باب يُفتح.
بطيء. ثقيل. خشبي.
استدار.
الممر خلفه كان فارغاً. كل الأبواب مغلقة كما تركها. لكن — وكاد يقسم بهذا — أحد الأبواب كان مفتوحاً بشقّ رفيع. الباب الذي يحمل الرقم صفر. الباب الذي وضع أذنه عليه وسمع التنفّس.
شقّ رفيع. سنتيمتر واحد. ظلام فيما وراءه.
لا.
ليس ظلاماً.
عين.
شيء ما كان ينظر إليه من ذلك الشقّ.
قلب فاروق ضرب ضربة واحدة عنيفة كادت تخلع صدره. لم يركض. لم يتحرك. وقف مسمّراً في مكانه يحدّق في ذلك الشقّ، يحاول أن يقنع عقله بأن ما يراه مجرد انعكاس — بريق المقبض النحاسي، لمعة في الخشب المصقول، أي شيء.
لكن الشيء الذي في الشقّ رمش.
عندها تحرّك فاروق. ليس نحو الباب الحديدي الذي دخل منه — بل بعيداً عنه. عميقاً في الممر. لأن الباب الحديدي كان يقع خلف باب الرقم صفر، وكان عليه أن يمرّ بمحاذاته ليخرج. ولم يكن مستعداً للمرور بمحاذاة تلك العين.
مشى بسرعة. خطواته تردّدت في الممر الطويل كأنها خطوات عشرة رجال. أبواب تمرّ على يمينه ويساره — ٨٨، ١٣، ٢٦، ثم أرقام لم يعد يقرأها لأنه كان يمشي بسرعة تقترب من الركض.
الممر انحنى.
هذا مستحيل هندسياً. العمارة مستطيلة. لا يوجد منحنى في مخططاتها.
لكن الممر انحنى بالفعل، انحناءة لطيفة نحو اليسار، والضوء الرمادي المتوهّج بدأ يخفت تدريجياً. لم يعد يرى أبعد من عشرة أمتار أمامه.
توقف.
أصغى.
صمت.
ثم — من بعيد جداً، كأنه يأتي من أعماق بئر — صوت.
ترتيلة.
لا. ليست ترتيلة. أقرب إلى تهليلة أم تهدهد طفلاً. لحن بسيط يتكرر، بصوت أنثوي خشن مكسور، كأن صاحبته تغني وهي تبكي. أو تغني وهي تختنق.
فاروق أراد أن يتكلم. أن يسجّل ملاحظة. أن يفعل أي شيء يربطه بالعالم العاقل الذي تركه خلف الباب الحديدي. لكن حلقه جفّ.
التهليلة اقتربت.
لا — هو الذي اقترب. قدماه كانتا تمشيان دون إذنه. خطوة. خطوة. نحو مصدر الصوت. كأن اللحن خيط غير مرئي يسحبه من سرّته.
توقّف بقوة. أمسك بإطار أقرب باب وغرز أصابعه في الخشب.
«لا.»
قالها بصوت عالٍ. وصوته في ذلك الممر بدا غريباً عليه — أجشّ، مبحوحاً، كأنه لم يتكلم منذ سنوات.
التهليلة توقفت.
ثم — بوضوح تام، بوضوح لا يقبل التأويل — سمع صوت امرأة تقول:
«فاروق.»
اسمه.
قالت اسمه.
ليس بصوت مخيف ولا بصراخ. بصوت عادي. بصوت عادي جداً. كأنها تناديه من المطبخ لأن العشاء جاهز. كأنها أمّه. كأنها زوجته. كأنها أي امرأة يعرفها.
وهذا بالتحديد ما جعل الرعب يبلغ ذروته.
لأن الأصوات المخيفة يمكن تفسيرها. الصراخ والأنين وحشرجات الموت — كلها أصوات يستطيع العقل أن يصنّفها ويتعامل معها. لكن صوتاً عادياً يناديك باسمك في مكان لا يُفترض أن يكون فيه أحد — هذا هو الرعب في شكله الخام.
استدار ومشى عائداً. بسرعة. ثم أسرع. ثم ركض.
الممر الذي انحنى لم يعد منحنياً. كان مستقيماً. كأنه لم ينحنِ قط. والأبواب تمرّ في طمس — أرقام نحاسية تلمع في الضوء الرمادي الخافت.
وصل إلى باب الرقم صفر.
كان مغلقاً.
مغلقاً تماماً. لا شقّ. لا عين.
لم يتوقف. قفز فوق العتبة التي لا وجود لها واندفع نحو الباب الحديدي. دفعه. لم يتحرك.
دفعه بكل ثقله. لم يتحرك.
ضربه بكتفه. بقبضتيه. بقدمه.
«افتح. افتح يا ابن ال—»
الباب لم يتحرك. كأنه جزء من الجدار. كأنه لم يكن باباً قط.
وقف يلهث. يداه ترتجفان. العرق يسيل في عينيه ويحرقهما.
خلفه، في عمق الممر، سمع صوت باب يُفتح. ثم آخر. ثم ثالث.
واحداً تلو الآخر.
لم يستدر. رفض أن يستدير. أسند ظهره على الباب الحديدي وأغمض عينيه.
الأبواب تُفتح. يسمعها. خشب قديم يئنّ على مفصلات صدئة. واحد. اثنان. ثلاثة. أربعة. يقتربون.
ثم خطوات.
ليست خطوات شخص واحد. خطوات كثيرة. مختلفة. ثقيلة وخفيفة. بطيئة ومتسارعة. كأن كل باب أفرغ ساكنه في الممر.
فتح عينيه.
الممر لم يعد فارغاً.
في البداية لم يرَ سوى أشكال. ظلال أغمق من الضوء الرمادي المحيط بها. تتحرك ببطء. تقترب. ثم بدأت تتضح.
أشخاص.
رجال ونساء وأطفال. يقفون في الممر وينظرون إليه. وجوههم — يا إلهي وجوههم — كانت كوجوه العائلة في اللوحة الزيتية. ليست الوجوه ذاتها، بل التعبير ذاته. ذلك الرعب المجمّد. تلك العيون المفتوحة أكثر مما ينبغي. تلك الأفواه المفتوحة قليلاً كأنها تريد أن تصرخ لكنها نسيت كيف.
كانوا يرتدون ملابس من عصور مختلفة. جلباب من القرن التاسع عشر بجوار فستان من الأربعينيات بجوار بنطال جينز حديث. كأنهم تجمّعوا هنا عبر العقود، واحداً تلو الآخر، كل من فتح ذلك الباب الحديدي ودخل.
ولم يخرج.
أحدهم — شاب ببنطال جينز وقميص أبيض، شعره مجعّد وعيناه غائرتان — فتح فمه. لم يخرج صوت. لكن شفتيه تحركتا، وفاروق قرأ الكلمات:
«لا تستدر.»
متأخر. كان قد استدار بالفعل.
خلفه — بين ظهره والباب الحديدي — كان هناك شيء. لم يره لأنه كان يسند ظهره على الباب. لكنه الآن يواجه الباب، وبين يده والمعدن البارد كان هناك —
شعر فاروق بنَفَس على رقبته.
دافئ. رطب. بطيء.
ثم يد على كتفه.
أصابع طويلة. باردة كالحجر. خمسة أصابع استقرت على كتفه الأيسر بلطف شديد. بلطف مرعب. كأنها يد صديق قديم يربّت عليه.
ثم الصوت. ذلك الصوت العادي المرعب في عاديّته:
«فاروق. ألن تبقى معنا؟»
أغمض عينيه بكل قوة.
فكّر في زوجته منى. في ابنته ياسمين ذات الست سنوات التي وعدها أن يشتري لها حقيبة مدرسة جديدة اليوم. فكّر في رائحة القهوة في مطبخه صباحاً. في صوت أذان الفجر من المسجد المجاور. في كل ما هو حقيقي وصلب ومعقول.
ثم دفع.
بكل ما فيه من قوة ورعب وإرادة حياة، دفع الباب الحديدي.
والباب — هذه المرة — فُتح.
تعثّر في العتبة وسقط على أرضية بئر السلّم. البلاط المتشقق العادي القذر المغبّر. أجمل بلاط رآه في حياته. ضوء النهار الذي يدخل من النافذة المكسورة في بئر السلّم كان أجمل ضوء رآه في حياته.
زحف بعيداً عن الباب. ثم وقف. ثم نظر خلفه.
الباب الحديدي كان مغلقاً. لكنه لم يكن مخفياً خلف الجبس كما وجده. كان ظاهراً. واضحاً. كأنه كان هنا دائماً.
ركض.
نزل الدرج ثلاث درجات في كل خطوة. خرج من العمارة إلى الشارع. شارع محمد علي بزحامه وضجيجه وبائعيه ورائحة الفول والطعمية وأبواق السيارات. وقف في منتصف الرصيف يلهث ويرتجف والناس يتحاشونه كأنه مجنون.
أخرج هاتفه بأصابع ترتعش.
الساعة: ٣:٤٤.
نظر إلى ساعة يده.
الثالثة وأربع وأربعون دقيقة.
سأل بائع الفول على ناصية الشارع: «كم الساعة؟»
نظر إليه الرجل بريبة. «الرابعة إلا ربع تقريباً.»
الساعات تعمل. الوقت يمشي. لكنه لا يعرف كم أمضى هناك في الداخل. لا يعرف إن كانت دقائق أم ساعات.
ذهب إلى مكتبه. لم يذهب إلى البيت. ذهب إلى المكتب لأن المكتب مليء بالمخططات والأرقام والخطوط المستقيمة — أشياء منطقية.
جلس أمام الكمبيوتر. فتح ملف العمارة.
المخططات الأصلية: أرضي + أربعة طوابق + سطح. لا وجود لطابق بين الثالث والرابع.
بحث في أرشيف الحي. تصاريح البناء. سجلات الملكية. لا شيء.
ثم — في ملف مغبّر في أرشيف مصلحة المساحة — وجد وثيقة.
تقرير هندسي من عام ١٩٤٧. كاتبه مهندس اسمه عبد اللطيف سالم. التقرير يصف «معاينة الطابق الإضافي في عمارة بهجت — شارع محمد علي — بناءً على شكاوى السكان من أصوات وظواهر غير معتادة».
التقرير قصير. صفحة واحدة. يقول إن المهندس دخل الطابق ووجده «خالياً من أي ملامح غير اعتيادية» وأوصى بـ«سدّ المدخل بالجبس لمنع دخول المتطفلين والحيوانات الضالة».
لكن في هامش الصفحة، بخط يد مختلف — أصغر، متعجّل، مرتعش — كانت هناك جملة واحدة:
«لا تفتحوه. إنهم لا يخرجون. بل يأخذون.»
جفّ ريق فاروق.
بحث عن اسم المهندس عبد اللطيف سالم. وجد خبراً في جريدة المصري بتاريخ نوفمبر ١٩٤٧:
«اختفاء المهندس عبد اللطيف سالم اختفاءً غامضاً من منزله بحي الخليفة. عُثر على ملابسه مطوية على سريره وساعته على المنضدة متوقفة عند الساعة ٣:٤٤.»
أغلق فاروق الكمبيوتر.
جلس في الظلام.
ساعته لا تزال تشير إلى ٣:٤٤.
أمسك بالهاتف واتصل بمنى.
«ألو؟»
«منى.»
«فاروق؟ صوتك غريب. كل حاجة كويسة؟»
«أنا... نعم. كل شيء بخير. أنا... منى، أنا في المكتب. سأتأخر قليلاً.»
«ياسمين مستنياك. وعدتها بالشنطة.»
«أعرف. سأشتريها. أعدك.»
صمت.
«فاروق، إنت متأكد إنك كويس؟ صوتك كإنك شُفت حاجة.»
كاد يخبرها. فتح فمه وكاد الكلام ينسكب. الممر الطويل. الأبواب. العين في الشقّ. الأشخاص بملابسهم من عصور مختلفة. اليد على كتفه. لكنه لم يفعل. لأنه لو أخبرها، لصار الأمر حقيقياً. ولو صار حقيقياً، فلن يستطيع أن يمحوه.
«لا شيء. الشغل متعب. أراكِ في البيت.»
أغلق الخط.
نظر إلى يده اليسرى.
على كتفه الأيسر — حيث استقرت تلك الأصابع — خمس بقع داكنة. كأن أحداً ضغط بأصابعه على جلده بقوة كافية ليترك كدمات. خمس كدمات. خمسة أصابع.
لمسها. كانت باردة.
في الأيام التالية، حاول فاروق أن يعيش حياته الطبيعية. ذهب إلى العمل. أكل. شرب. تكلم. ضحك مع ياسمين حين أعطاها الحقيبة الجديدة. لكن شيئاً تغيّر.
بدأ يسمع التهليلة.
ليس في العمارة. في كل مكان. في المترو. في المكتب. في غرفة النوم عند الثالثة فجراً. لحن بسيط يتكرر، بالكاد مسموع، كأنه يأتي من داخل رأسه. أو من داخل جدران العالم نفسه.
وبدأ يرى الأرقام.
أرقام نحاسية على أبواب لم يلاحظها من قبل. على باب شقته — الذي يحمل الرقم ٨ منذ عشر سنوات — بدأ يرى أحياناً، في طرف عينه، الرقم صفر. يستدير لينظر مباشرة فيجد الرقم ٨ كما كان. لكن في طرف عينه، دائماً في طرف عينه، صفر.
والكدمات على كتفه لم تختفِ. بل اتسعت. ببطء. ملليمتر كل يوم. كأن الأصابع لا تزال هناك. تضغط. تتمدد. تطبع نفسها في لحمه.
بعد أسبوع، ذهب إلى طبيب.
الطبيب فحص الكدمات. عبس. طلب أشعة. الأشعة أظهرت شيئاً لم يفهمه الطبيب ولم يفهمه فاروق: تحت الكدمات، في النسيج العضلي، كانت هناك بلورات. تكوينات بلورية صغيرة، كأن شيئاً يتجمّد تحت جلده. كأن البرد الذي شعر به في تلك الأصابع يتحول إلى مادة صلبة.
«هل تعرّضت لمادة كيميائية؟» سأل الطبيب.
«لا.»
«إصابة؟ حادث؟»
«لا.»
الطبيب كتب له تحويلاً لأخصائي. لم يذهب فاروق.
لأنه بدأ يفهم.
الطابق لم يتركه. أو هو لم يترك الطابق. الباب الحديدي فُتح لأنهم أرادوه أن يخرج. ليس رحمةً به. بل لأنهم لم ينتهوا منه بعد. الأصابع على كتفه خيط يربطه بذلك المكان. والخيط يقصر كل يوم.
بدأ ينام أقل. ثم توقف عن النوم. لأنه كلما أغمض عينيه رأى الممر. والأبواب. والأرقام التي لا منطق فيها. والوجوه.
خاصة وجه الشاب ذي البنطال الجينز والقميص الأبيض. الذي قال له — أو حاول أن يقول له — «لا تستدر.»
بحث عن تقارير أشخاص مفقودين في حي الخليفة. وجد قائمة طويلة ممتدة عبر العقود. ليس كلهم مرتبطين بالعمارة بالطبع. لكن بعضهم — بعضهم — اختفوا في ظروف متشابهة بشكل مزعج. آخر ما شوهدوا فيه كان بالقرب من العمارة. أو داخلها. أو كانوا يعملون على ترميمها.
مثله.
في اليوم الرابع عشر، استيقظ فاروق — إن كان ما يفعله يُسمى نوماً — ووجد أن الكدمات وصلت إلى رقبته.
خمسة خطوط داكنة تمتد من كتفه إلى عنقه. كأن يداً تزحف عليه ببطء. تصعد. تقترب من رأسه.
عرف أنه لن يستطيع الهرب.
الشيء الذي لمسه في ذلك الممر ترك فيه بذرة. والبذرة تنمو. وحين تكتمل — حين تصل الأصابع إلى وجهه — سيصبح واحداً منهم. واقفاً في ممر بلا نهاية، بعينين مفتوحتين أكثر مما ينبغي، ينتظر الشخص التالي الذي سيفتح الباب الحديدي.
في الليلة الأخيرة، جلس بجانب سرير ياسمين. كانت نائمة. شعرها الأسود منتشر على الوسادة كنهر صغير. حقيبتها الجديدة معلّقة على ظهر الكرسي، جاهزة للغد.
مدّ يده ولمس شعرها. كان دافئاً. حياً.
همس: «سامحيني.»
لم تستيقظ.
خرج من الشقة. نزل الدرج. خرج إلى الشارع. القاهرة في الثالثة فجراً ليست نائمة تماماً — لا تنام القاهرة أبداً — لكنها هادئة بمقاييسها. مشى في شارع محمد علي. الأعمدة الرخامية لمسرح قديم تلمع في ضوء القمر. قطة عرجاء تعبر الطريق.
وصل إلى العمارة.
الباب الخارجي كان مفتوحاً كالعادة — لا أحد يغلق أبواب العمارات القديمة في هذا الحي.
صعد الدرج.
الأول. الثاني. الثالث.
بين الثالث والرابع.
الباب الحديدي.
كان مفتوحاً.
ينتظره.
والضوء الرمادي ينسكب منه كضباب.
والتهليلة تتسرب منه كرائحة.
وقف أمامه. أخرج هاتفه. فتح المسجّل الصوتي.
«لمن يجد هذا التسجيل. اسمي فاروق مبارك. مهندس ترميم. الطابق بين الثالث والرابع في عمارة بهجت حقيقي. لا تدخله. لا تفتح الباب. لا تضع أذنك على باب الرقم صفر. إذا سمعت أحداً يناديك باسمك — لا تستجب. إذا رأيت عيناً في شقّ — لا تنظر إليها. إذا شعرت بأصابع على كتفك — اركض. اركض ولا تستدر. أنا لم أركض. وأنا أدفع الثمن الآن.»
أوقف التسجيل.
وضع الهاتف على الدرجة.
ثم دخل.
والباب — هذه المرة — أصدر صريراً.
طويلاً.
كأنه يضحك.
---
وجدوا الهاتف في اليوم التالي. بوّاب العمارة، عمّ صابر، وجده على الدرجة بين الثالث والرابع. اتصل بمنى.
جاءت منى مع الشرطة. فتّشوا العمارة. كل طابق. كل شقة. كل ركن. سطح العمارة. القبو.
لم يجدوا شيئاً.
لم يجدوا باباً حديدياً.
لم يجدوا طابقاً إضافياً.
لم يجدوا فاروق.
التسجيل الصوتي على الهاتف كان موجوداً. استمعت إليه الشرطة. سجّلوه كدليل. لكن لا أحد أخذه على محمل الجد. رجل مضغوط في عمله، ربما فقد عقله، ربما هرب، ربما —
ربما.
منى استمعت إلى التسجيل مرة واحدة. ثم مرتين. ثم عشرين.
في المرة الحادية والعشرين، سمعت شيئاً لم تسمعه من قبل.
في الخلفية. خلف صوت فاروق. خلف كلماته المرتعشة.
تهليلة.
لحن بسيط يتكرر.
بصوت أنثوي خشن مكسور.
أوقفت التسجيل.
نظرت إلى باب شقتها.
الرقم ٨ لمع في ضوء الممر.
لكن — في طرف عينها — رأت شيئاً آخر.
رأت الرقم صفر.
استدارت لتنظر مباشرة.
الرقم ٨.
عادت تنظر إلى الهاتف.
في طرف عينها.
صفر.
وعلى كتفها الأيسر — لم تلاحظه حتى تلك اللحظة — شعرت بوخزة باردة.
كأن خمسة أصابع طويلة استقرّت عليه بلطف.
بلطف شديد.
بلطف مرعب.
✦الحكمة المستفادة
بعض الأبواب المغلقة لم تُغلق لتُفتح، بل أُغلقت لأن ما خلفها لا يُشبع جوعه. والفضول الذي يقودنا إلى المجهول قد يكون هو نفسه الطُّعم الذي نُصب لنا منذ الأزل.
قصص مشابهة

المنارة التي لا تنطفئ
في جزيرة منسية قبالة ساحل عُمان، يتحدى خمسة مراهقين بعضهم البعض لقضاء ليلة في منارة مهجورة يُقال إن حارسها الأخير جُنّ فيها قبل أربعين عاماً. لكن ما اكتشفوه في تلك الليلة لم يكن مجرد حكاية قديمة — بل كان شيئاً ينتظرهم بالاسم.
الحكمة: الفضول الأعمى والغرور بالشجاعة قد يقودان إلى أبواب لا يمكن إغلاقها مجدداً، وأحياناً يكون الثمن الحقيقي للمغامرة هو أن تفقد جزءاً من روحك لن يعود أبداً.

المنارة التي تبتلع البحّارة
في جزيرة منسية وسط البحر، منارة لم يعد منها أحد قط. ثلاثة رجال تجرّأوا على صعود درجاتها في ليلة عاصفة، لكنّ ما وجدوه في القمة لم يكن ضوءاً... بل شيئاً يتنفّس.
الحكمة: الفضول الذي لا يحترم حدود المجهول قد يُحوّل المستكشِف إلى جزء ممّا كان يبحث عنه — فبعض الأسرار تبقى حيّة لأنها تتغذّى على من يكشفها.

الطابق الذي لا يُذكر
حين قبِل وسام العمل حارسًا ليليًّا في عمارة الحاج مرزوق المهجورة، لم يُخبره أحد بالطابق الرابع. لم يكن مدرجًا في المخطط، ولم يكن له زرّ في المصعد، لكنّ أصواته كانت أوضح من أيّ طابق آخر.
الحكمة: الفضول الذي لا يُصغي لتحذيرات من سبقونا قد يقودنا إلى أبواب لا تُفتح إلا في اتجاه واحد، والأماكن التي تُخفي أسرارها بإحكام إنّما تفعل ذلك لسبب وجيه.