العودة إلى قصص رعب
الطابق الذي لا يُوجد
رعب

الطابق الذي لا يُوجد

20 دقائق للقراءة
٥‏/٤‏/٢٠٢٦
0 مشاهدة
للكبار
استمع للقصة
اضغط للاستماع

الجزء الأول: الدعوة

لم يكن المصعد يتحرك. سامر كان متأكداً من ذلك، لأنه ضغط الزر ثلاث مرات متتالية، وسمع صوت الآلية القديمة تئنّ ثم تسكت، كمن يحاول أن يتكلم فيعجز. لكن الأغرب من ذلك أنّ لوحة الأزرار في هذا المبنى المؤلف من خمسة طوابق كانت تحمل ستة أرقام.

السادس.

لم يكن هناك طابق سادس. سامر يعرف ذلك لأنه كبر في هذا الحي، وكان يمر بجانب هذا المبنى كل يوم في طريقه إلى المدرسة. خمسة طوابق من الإسمنت الرمادي المتصدع، ونوافذ مكسورة تطل كعيون خاوية على الشارع. أُخلي المبنى قبل سنوات حين تصدّعت أساساته، وبقي واقفاً كهيكل عظمي ينتظر من يهدمه.

«أنت تنظر إلى الزر السادس مرة أخرى؟»

التفت سامر ليجد رفيقته ليلى تقف خلفه، شعرها الأسود مشدود في ضفيرة واحدة كعادتها حين تكون متوترة. كانت تمسك بهاتفها المحمول الذي يعمل كمصباح يدوي، وشعاعه يرتجف مع يدها.

«ستة أزرار في مبنى من خمسة طوابق،» قال سامر. «ألا يُثير ذلك فضولك؟»

«فضولي؟ لا. خوفي؟ بالتأكيد.»

من خلفهما جاء صوت خالد وهو يتعثر بقطعة من الأنقاض. خالد، الذي لم يستطع يوماً أن يمشي في خط مستقيم حتى في وضح النهار، كان يبدو الآن كمن يحاول الرقص على حبل مشدود في الظلام. وبجانبه كانت نادين، الأصغر سناً بينهم بعام واحد لكنها الأكثر عناداً بأعوام ضوئية، تمسك بدفتر صغير تدوّن فيه كل شيء.

«دوّنتُ أنّ الباب الرئيسي كان مفتوحاً حين وصلنا،» قالت نادين بنبرة من يقرأ تقريراً رسمياً. «وأنّ هناك آثار أقدام حديثة في الغبار عند المدخل. ليست أقدامنا.»

توقف الجميع.

«ماذا تقصدين بحديثة؟» سأل خالد.

«أقصد أنّ الغبار لم يستقر فوقها بعد. ساعات ربما. يوم على الأكثر.»

نظر سامر إلى أصدقائه الثلاثة. كانت هذه فكرته — استكشاف المبنى المهجور في ليلة الجمعة بدلاً من الجلوس في المقهى المعتاد. كان يظن أنها ستكون مغامرة مسلية، شيء يتحدثون عنه في المدرسة يوم الأحد. لكنّ الظلام في هذا المبنى كان مختلفاً عن أي ظلام عرفه. كان كثيفاً، يكاد يكون له ملمس، كقماش مبلل يلتصق بالجلد.

«سنصعد إلى الطابق الخامس ثم ننزل،» قال سامر بنبرة حاول أن يجعلها واثقة. «المصعد لا يعمل على أي حال. سنستخدم الدرج.»

«والطابق السادس؟» سألت ليلى.

«لا يوجد طابق سادس.»

الجزء الثاني: الصعود

الدرج كان حلزونياً، يلتفّ حول نفسه كأفعى إسمنتية. مع كل طابق يصعدونه، كان الهواء يزداد برودة بشكل لا يتناسب مع ليلة صيفية كهذه. سامر كان يقود المجموعة، يضيء الطريق بمصباحه، بينما كان خالد في المؤخرة يتمتم بآيات يحفظها من جدته.

الطابق الأول كان فارغاً تماماً. لا أثاث، لا حطام، لا شيء. مجرد جدران عارية وأرضية نظيفة بشكل مريب.

«ألم يكن هذا المبنى سكنياً؟» همست نادين وهي تكتب في دفترها. «أين ذهب كل شيء؟»

الطابق الثاني كان مماثلاً. فراغ أبيض ناصع تحت ضوء المصابيح، كأنّ أحداً قد غسل الجدران حديثاً. سامر مرّر إصبعه على الحائط. جاف. نظيف. بلا أي أثر لغبار أو رطوبة.

«هذا غير طبيعي،» قالت ليلى. «مبنى مهجور منذ سنوات ولا يوجد فيه ذرة غبار؟»

في الطابق الثالث، لاحظ سامر شيئاً جعل قلبه يتوقف لحظة. على الجدار المقابل للدرج، كان هناك خطوط رفيعة محفورة في الإسمنت. اقترب منها وسلّط المصباح عليها. لم تكن خطوطاً عشوائية — كانت علامات عدّ. خمسة خطوط، ثم شرطة تقطعها، ثم خمسة أخرى. عدّها سامر بسرعة.

سبعون يوماً.

سبعون يوماً قضاها شخص ما هنا يعدّ الأيام.

«يا رفاق...» بدأ سامر.

لكنّ صوتاً قطعه. صوت خافت، بعيد، يأتي من الأعلى. لم يكن صوت رياح، ولم يكن صوت حيوان. كان يشبه — وسامر لم يصدق أذنيه — همهمة. كأنّ شخصاً يدندن بلحن ما.

«هل سمعتم ذلك؟» سأل خالد بصوت مخنوق.

أومأ الجميع.

«ربما متشرد يعيش هنا،» قالت نادين، لكنّ صوتها فقد ثقته المعتادة.

«متشرد ينظف المبنى بالكامل ويمسح الغبار عن كل سطح؟» ردّت ليلى.

صمتوا. اللحن توقف أيضاً، كأنّ مصدره أحسّ بوجودهم.

واصلوا الصعود. الطابق الرابع كان مختلفاً. هنا بدأت الجدران تحمل شيئاً — رسومات. ليست رسومات عادية، بل خرائط مرسومة بدقة مذهلة على كل جدار. خرائط لمبانٍ وشوارع وأزقة. سامر حدّق فيها طويلاً قبل أن يدرك.

«هذا... هذا حيّنا.»

كان محقاً. الرسومات كانت خريطة تفصيلية للحي بأكمله. كل بيت، كل شجرة، كل عمود إنارة. وفي وسط الخريطة، مرسوم بخط أحمر داكن، كان هذا المبنى. لكنّ الرسم أظهره بستة طوابق.

«انظروا،» قالت نادين وهي تشير بإصبعها المرتجف. «هناك نقاط صغيرة داخل المبنى في الرسم.»

أربع نقاط.

في الطابق الرابع.

بالضبط حيث يقفون الآن.

شعر سامر بقشعريرة تسري في عموده الفقري كتيار كهربائي. نظر إلى أصدقائه. وجوههم شاحبة تحت ضوء المصابيح الأبيض. أراد أن يقول شيئاً مطمئناً، شيئاً عقلانياً، لكنّ فمه كان جافاً كورق.

«ننزل. الآن.» قالت ليلى بحزم.

لكنّ نادين كانت قد تحركت نحو الدرج الصاعد. «طابق واحد آخر. ثم ننزل.»

«نادين!»

«أريد أن أعرف مصدر الصوت.»

الجزء الثالث: الطابق الخامس

الطابق الخامس كان الأخير — أو هكذا كان يُفترض. حين وصلوا إليه، وجدوه مختلفاً عن كل ما سبق. الأرضية هنا لم تكن إسمنتية بل خشبية، ألواح قديمة تئنّ تحت أقدامهم. الجدران كانت مغطاة بورق حائط عتيق، نقوشه الزهرية باهتة لكنها لا تزال مرئية. وفي زاوية الغرفة الكبيرة التي فتحوا بابها، كان هناك كرسي هزّاز.

كان يتحرك.

ببطء، ذهاباً وإياباً، كأنّ شخصاً غير مرئي قد نهض عنه للتو.

«الرياح،» قال خالد بسرعة. «نافذة مفتوحة في مكان ما.»

لكن لم تكن هناك نوافذ مفتوحة. كانت جميعها مغلقة بألواح خشبية مسمّرة من الداخل.

اقترب سامر من الكرسي. توقف عن الحركة حين صار على بعد خطوتين منه. توقف تماماً، كأنّ من كان يحركه قد أمسك به. على مسند الذراع، لاحظ سامر شيئاً محفوراً في الخشب. أحرف عربية صغيرة:

«لا تصعدوا.»

قرأها بصوت عالٍ دون أن يقصد. في اللحظة ذاتها، سُمع صوت من فوقهم. ليس همهمة هذه المرة. كان صوت ضحك. ضحكة طفل، رقيقة وبريئة، لكنها في هذا السياق كانت أكثر الأصوات رعباً التي سمعها سامر في حياته.

«لا يوجد شيء فوقنا،» قال سامر لنفسه أكثر مما قاله لأصدقائه. «نحن في الطابق الأخير.»

«الطابق الخامس من خمسة،» أكّدت ليلى.

«لكنّ الزر السادس...» بدأت نادين.

«لا يوجد طابق سادس!»

ثم رأوه. في الزاوية الأخرى من الغرفة، مخفياً خلف خزانة ضخمة، كان هناك باب. ليس باباً عادياً — كان أصغر من المعتاد، بارتفاع متر ونصف فقط، مطلياً بلون أحمر قانٍ بدا في ضوء المصباح كلون الدم الجاف. وعلى الباب، مرسوم بطباشير أبيض، كان هناك سهم يشير إلى الأعلى.

وخلف الباب، سمعوا الضحكة مرة أخرى.

«لن أفتح ذلك الباب،» قال خالد. «لن أفتحه حتى لو دفعتم لي كل أموال العالم.»

لكنّ نادين كانت قد وضعت يدها على المقبض.

«نادين، انتظري—»

فتحته.

الجزء الرابع: ما وراء الباب الأحمر

خلف الباب كان هناك درج ضيق يصعد إلى الأعلى. ليس درجاً إسمنتياً كبقية المبنى، بل درجاً خشبياً حلزونياً، أضيق من أن يمر فيه شخصان جنباً إلى جنب. الجدران على جانبيه كانت مغطاة بمرايا صغيرة مستديرة، عشرات منها، تعكس ضوء مصابيحهم في كل اتجاه حتى بدا الدرج كأنه نفق من النجوم.

صعدوا. لم يناقشوا الأمر. لم يصوّتوا. شيء ما كان يسحبهم إلى الأعلى، ليس بالقوة، بل بالفضول — ذلك الفضول الذي يشبه الجوع، الذي لا يمكن تجاهله.

الدرج لفّ حول نفسه ثلاث مرات قبل أن ينتهي عند باب آخر. هذا الباب كان أبيض، عادياً، يشبه باب أي شقة. لكنّ ما كان غير عادي هو أنّ الهواء هنا كان دافئاً. دافئاً ورطباً، كأنفاس شخص يقف قريباً جداً.

سامر أدار المقبض. الباب فُتح بلا صوت.

ما رأوه جعلهم يتسمّرون في أماكنهم.

كانت شقة. شقة كاملة ومفروشة ومضاءة. أضواء صفراء دافئة تنبعث من مصابيح أرضية، وسجادة حمراء وثيرة تغطي الأرض، وأثاث خشبي أنيق، وعلى الطاولة في وسط الغرفة كانت هناك أربعة أكواب من الشاي. أربعة بالضبط. والبخار لا يزال يتصاعد منها.

«ما هذا؟» همس خالد.

على الجدران، كانت هناك صور. صور فوتوغرافية بالأبيض والأسود في إطارات خشبية. اقتربت ليلى من إحداها وسلّطت مصباحها عليها، ثم تراجعت بخطوة سريعة.

«سامر... تعال انظر.»

الصورة كانت لأربعة أشخاص يقفون أمام هذا المبنى. أربعة مراهقين — ولدان وبنتان. ملابسهم قديمة الطراز، من أربعينيات القرن الماضي ربما. لكنّ وجوههم — وجوههم كانت مطموسة. ليست ممحوّة أو مشطوبة، بل مطموسة كأنّ شخصاً مسح عليها بإصبعه قبل أن تجفّ الصورة.

الصورة التالية كانت لأربعة مراهقين آخرين. ملابس من الستينيات. وجوه مطموسة أيضاً.

والتالية. والتالية. والتالية.

عشرات الصور على الجدران، كلها لمجموعات من أربعة أشخاص أمام هذا المبنى، عبر عقود مختلفة، وكلها بوجوه مطموسة.

وعلى الجدار الأخير، كان هناك إطار فارغ. إطار جديد، لامع، ينتظر صورة لم تُلتقط بعد.

الإطار كان مكتوباً تحته تاريخ هذه الليلة.

«نخرج من هنا،» قال سامر. «الآن.»

لكنّ حين استداروا نحو الباب، وجدوه مغلقاً. لم يكن مقفلاً — كان ببساطة غير موجود. حيث كان الباب قبل ثوانٍ، كان الآن جدار أملس، أبيض، بلا أي أثر لفتحة أو مقبض أو حتى شق.

نادين وضعت يدها على الجدار. صلب. بارد. حقيقي.

«هذا... هذا مستحيل.»

الجزء الخامس: الحصار

الدقائق التالية كانت فوضى. خالد بدأ يطرق الجدار بقبضتيه ويصرخ. ليلى جلست على الأرض وأغمضت عينيها وبدأت تتنفس بعمق، تحاول ألا تفقد أعصابها. نادين فتحت دفترها وبدأت تكتب بسرعة محمومة، كأنّ التوثيق هو طوق نجاتها من الجنون. وسامر وقف في وسط الغرفة يدور حول نفسه، يبحث عن مخرج، عن أي مخرج.

«الهواتف!» صاح فجأة. «اتصلوا بأي شخص!»

أخرجوا هواتفهم. لا إشارة. لا شبكة. لكنّ الأغرب أنّ الساعة على كل هاتف كانت تعرض وقتاً مختلفاً. هاتف سامر يقول إنها الحادية عشرة مساءً. هاتف ليلى يقول الثالثة فجراً. هاتف خالد يقول السادسة صباحاً. وهاتف نادين كانت الشاشة فيه تعرض أرقاماً تتغير بجنون، كعدّاد فقد صوابه.

ثم بدأت الأشياء تتحرك.

ليس بعنف. بلطف. كوب الشاي الأقرب إلى سامر تحرك سنتيمتراً واحداً نحوه على الطاولة. كأنّ يداً غير مرئية دفعته برفق. ثم الكرسي بجانب ليلى تراجع قليلاً، كأنّ شخصاً يسحبه ليجلس.

«إنه يريدنا أن نجلس،» قالت نادين بصوت غريب الهدوء. «مهما كان هذا الشيء، إنه يدعونا.»

«لن أشرب شيئاً في هذا المكان!» صرخ خالد.

«لم أقل أن نشرب. قلت أنه يريدنا أن نجلس.»

صمت طويل. ثم، من كل مكان ومن لا مكان، جاء الصوت مرة أخرى. لم يكن ضحكة طفل هذه المرة. كان صوتاً يتكلم. صوت امرأة عجوز، هادئ وعميق، يأتي من الجدران نفسها كأنّ المبنى يتكلم بلسانها:

«اجلسوا. القصة طويلة.»

نظر سامر إلى أصدقائه. واحداً واحداً، جلسوا حول الطاولة. لم يكن لديهم خيار آخر.

الجزء السادس: القصة

حين جلسوا، تغيّر شيء في الغرفة. الصور على الجدران بدأت تتوهج بضوء خافت، كأنّ الوجوه المطموسة تحاول أن تظهر من تحت الطمس. والصوت عاد، أوضح هذه المرة:

«كل جيل يرسل أربعة. الفضوليون. الشجعان. الذين لا يستطيعون مقاومة الباب المغلق. أنتم لستم الأوائل، ولن تكونوا الأواخر.»

«من أنتِ؟» سأل سامر.

«أنا هذا المبنى. أنا الطابق الذي لا يظهر على المخططات. أنا الزر السادس في مصعد من خمسة طوابق. كنتُ هنا قبل أن يُبنى هذا المبنى، وسأبقى هنا بعد أن يُهدم.»

«ماذا تريدين منا؟» سألت ليلى، وصوتها لم يرتجف، وهذا أخاف سامر أكثر من أي شيء آخر.

«ما أريده دائماً. أن تسمعوا. أن تتذكروا. أن تحملوا القصة معكم حين تخرجون.»

«إذن سنخرج؟» قال خالد بأمل مفاجئ.

«الباب يُفتح من الداخل فقط. لكنّ الثمن هو أن تسمعوا حتى النهاية.»

ثم بدأت تحكي. حكت عن مدينة كانت هنا قبل ألف عام، وعن ساحرة عمياء كانت تعيش في كهف تحت الأرض، تحيك القصص من خيوط الظلام. حكت عن كيف بُني هذا المبنى فوق الكهف، وكيف ظلّ شيء من تلك الساحرة حياً في الجدران، يتغذى على فضول البشر كما تتغذى النار على الحطب.

بينما كانت تحكي، بدأت الغرفة تتغير. الجدران بدأت تتمدد ببطء، والسقف بدأ يرتفع، والمسافة بين الأربعة بدأت تكبر وإن كانوا جالسين على نفس الطاولة. سامر شعر أنّ الكرسي يبتعد عن الطاولة رغم أنه لم يتحرك. كأنّ المكان نفسه يتمطّط كعجينة.

«لا تنظروا إلى الزوايا،» قالت نادين فجأة.

«ماذا؟»

«الزوايا. لا تنظروا إليها.»

بالطبع، نظر سامر. في زاوية الغرفة، حيث يلتقي جداران بالسقف، كان هناك شيء. ليس شكلاً واضحاً — بل غياب شكل. بقعة من الظلام أكثف من الظلام المحيط بها، تتنفس وتنبض كأنها حية. وكلما نظر إليها سامر، شعر أنها تنظر إليه أيضاً.

حوّل بصره بسرعة.

«قلتُ لك،» همست نادين.

«كيف عرفتِ؟»

«لأنني كتبتها. في دفتري. انظر.»

مدّت الدفتر نحوه. الصفحة التي كانت تكتب فيها كانت مليئة بجملة واحدة مكررة مئات المرات بخط يصغر تدريجياً:

«لا تنظروا إلى الزوايا لا تنظروا إلى الزوايا لا تنظروا إلى الزوايا.»

«أنا لم أكتب هذا،» قالت نادين، ووجهها أبيض كالورق. «يدي كتبته لكنني لم أقرر كتابته.»

الجزء السابع: اللعبة

«كفى!» صاح سامر وهو يقف. «نريد أن نخرج. سمعنا ما يكفي.»

صمت. ثم الضحكة مرة أخرى — ضحكة الطفل البريئة المرعبة.

«لم تنتهِ القصة بعد.»

«لا أريد سماع المزيد!»

«ليس لديك خيار. لكن يمكنني أن أجعلها أكثر... تسلية.»

الأضواء انطفأت. ليس تدريجياً — دفعة واحدة. ظلام مطلق. حتى مصابيح الهواتف رفضت أن تعمل. سامر شعر بيد ليلى تمسك بذراعه، وسمع خالد يتعثر بشيء ما، ونادين تلهث.

ثم عادت الأضواء. لكنّ الغرفة لم تعد هي نفسها.

كانوا يقفون في ممر طويل. طويل بشكل مستحيل — يمتد أمامهم حتى تتلاشى نقطة النهاية في ما يشبه اللانهاية. على جانبي الممر، أبواب. عشرات الأبواب، كل واحد منها بلون مختلف وحجم مختلف وطراز مختلف.

«لعبة بسيطة،» قال الصوت. «باب واحد يخرجكم. الباقي... لا تريدون معرفة ما وراءها.»

«هذا جنون،» قال خالد. «لا يمكن أن يكون هذا حقيقياً. نحن في الطابق السادس من مبنى. لا يمكن أن يكون هناك ممر بهذا الطول!»

«أنت في مكاني الآن،» قال الصوت. «والمكان هنا لا يتبع قواعدكم.»

سامر أخذ نفساً عميقاً. نظر إلى الأبواب. كان عقله يصرخ بأنّ هذا مستحيل، لكنّ حواسه كانت تخبره بأنّ هذا حقيقي. الأرضية صلبة تحت قدميه. الهواء بارد في رئتيه. رائحة خشب قديم ورطوبة وشيء آخر — شيء حلو ومقلق، كرائحة زهور في مقبرة.

«سنفكر بمنطق،» قال سامر. «نادين، ماذا لديكِ في الدفتر؟»

فتحت نادين الدفتر. كل الملاحظات التي كتبتها سابقاً كانت قد اختفت. بدلاً منها، كانت هناك جملة واحدة بخط ليس خطها:

«الباب الذي لا يريد أن يُفتح هو الباب الصحيح.»

تبادلوا النظرات. ثم بدأوا يمشون في الممر، يجرّبون الأبواب واحداً تلو الآخر. الباب الأول — أزرق، مقبضه نحاسي — فُتح بسهولة. خلفه كانت غرفة تشبه فصلاً دراسياً، لكنّ المقاعد كانت مقلوبة على السقف والسبورة على الأرض. أغلقوه بسرعة.

الباب الثاني — أخضر، صغير — فُتح على غرفة مليئة بالمرايا. في كل مرآة، انعكاساتهم كانت تتحرك بشكل مختلف عنهم. انعكاس سامر كان يبتسم بينما سامر الحقيقي كان مرعوباً. أغلقوه بسرعة أكبر.

الباب الثالث. الرابع. الخامس. كل واحد يفتح على كابوس مختلف. غرفة مليئة بالساعات التي تدور للخلف. غرفة يسقط فيها المطر من الأرض إلى السقف. غرفة فارغة تماماً لكنّ من يدخلها يشعر بعشرات الأيدي تلمس وجهه.

بعد الباب العاشر، كانوا منهكين. ليلى جلست على الأرض وسحبت ركبتيها إلى صدرها. خالد كان يرتجف. نادين توقفت عن الكتابة.

«الباب الذي لا يريد أن يُفتح،» كرّر سامر. «نحن نبحث عن الباب الخطأ. نبحث عن باب يفتح. يجب أن نبحث عن باب لا يفتح.»

عاد إلى البداية. جرّب كل مقبض. كلها تفتح بسلاسة — إلا واحداً. باب رمادي باهت، بلا أي علامة مميزة، مقبضه صدئ وجامد. حاول سامر فتحه فلم يتحرك.

«هذا هو.»

«لكنه لا يفتح!» قال خالد.

«الباب الذي لا يريد أن يُفتح هو الباب الصحيح. لكنّ كيف نفتحه؟»

نادين نظرت إلى دفترها مرة أخرى. صفحة جديدة، خط جديد ليس خطها:

«الباب لا يُفتح بالمقبض. يُفتح بما تتركونه خلفكم.»

الجزء الثامن: الثمن

ما نتركه خلفنا. فكّر سامر طويلاً. نظر إلى أصدقائه. نظر إلى الممر. نظر إلى الباب الرمادي.

ثم فهم.

«الفضول،» قال. «هذا ما أحضرنا إلى هنا. وهذا ما يجب أن نتركه.»

«لا أفهم،» قالت ليلى.

«هذا المكان يتغذى على فضولنا. كل باب فتحناه، كل غرفة نظرنا داخلها، كان يمنحه المزيد من القوة. يجب أن نتوقف عن الرغبة في المعرفة. أن نقف أمام هذا الباب ونقبل أننا لا نعرف ما وراءه، ولا نريد أن نعرف.»

«تطلب منا ألا نكون فضوليين بينما نحن محاصرون في طابق مسكون؟» قال خالد بلا تصديق.

«أطلب منكم أن تغمضوا أعينكم وتفكروا في الخارج. في الشارع. في بيوتكم. في أي مكان إلا هنا. اتركوا هذا المكان وأسراره خلفكم.»

صمت طويل. ثم، واحداً تلو الآخر، أغمضوا أعينهم.

سامر فكّر في غرفته. في سريره الدافئ. في رائحة قهوة أمه في الصباح. لم يفكر في الممر ولا في الأبواب ولا في الصوت. ترك كل ذلك يتلاشى كدخان.

سمع صوتاً. صريراً خفيفاً. صوت مقبض يدور.

فتح عينيه. الباب الرمادي كان مفتوحاً. وخلفه — لم يكن هناك غرفة أو ممر أو كابوس. كان هناك الدرج. الدرج الإسمنتي العادي الذي صعدوا منه. والهواء القادم منه كان هواء الليل — حاراً ورطباً ورائعاً.

«اركضوا!» صاح سامر.

ركضوا. نزلوا الدرج بسرعة مجنونة، قفزاً فوق الدرجات، لا ينظرون خلفهم. الطابق الخامس. الرابع — الرسومات على الجدران اختفت. الثالث — علامات العد اختفت. الثاني. الأول.

الباب الرئيسي.

الشارع.

الهواء.

انهاروا على الرصيف، يلهثون ويضحكون ويكادون يبكون في الوقت نفسه. نظر سامر إلى هاتفه. الحادية عشرة والنصف مساءً. مرّت نصف ساعة فقط منذ دخولهم، رغم أنها شعرت كسنوات.

«انتهى،» قالت ليلى. «انتهى.»

نظر سامر إلى المبنى. خمسة طوابق من الإسمنت الرمادي. نوافذ مكسورة. لا شيء غير عادي.

ثم نظر إلى نادين. كانت تحدّق في دفترها بوجه شاحب كالشمع.

«نادين؟ ما بكِ؟»

مدّت الدفتر نحوه بيد ترتجف.

كل الصفحات كانت فارغة إلا الأخيرة. عليها صورة — صورة مرسومة بقلم رصاص بدقة فوتوغرافية. أربعة مراهقين يقفون أمام مبنى. ولدان وبنتان. ملابسهم عصرية. لكنّ وجوههم — وجوههم كانت مطموسة.

وتحت الصورة، بخط ليس خط نادين ولا خط أيّ منهم، كانت هناك جملة واحدة:

«شكراً للزيارة. الإطار لم يعد فارغاً.»

رفع سامر عينيه ببطء نحو المبنى. في الطابق الأخير — الخامس — خلف إحدى النوافذ المكسورة، لمح شيئاً. وجهاً. وجه طفلة تبتسم.

رمش. اختفى الوجه.

لكنّ الابتسامة — الابتسامة بقيت عالقة في الزجاج المكسور كانعكاس لا يملك أصلاً.

التفت سامر إلى أصدقائه. فتح فمه ليتكلم. لكنه لاحظ شيئاً أخيراً جعل الكلمات تموت في حلقه.

ظلّهم على الرصيف تحت ضوء القمر — ظلّ سامر وليلى وخالد ونادين — لم يكن أربعة ظلال.

كان خمسة.

والظل الخامس كان يلوّح.

الحكمة المستفادة

الفضول سلاح ذو حدّين — قد يقودك إلى المعرفة، وقد يقودك إلى أماكن لم تكن مستعداً لها. الشجاعة الحقيقية ليست في فتح كل باب مغلق، بل في معرفة متى تتراجع وتقبل أنّ بعض الأسرار يجب أن تبقى طيّ الظلام.

#قصص رعب#قصص قصيرة#قصة رعب للمراهقين#قصص مشوقة#قصص عربية#مبنى مهجور#قصص غموض#قصص جن#قصة مغامرة#قصص رعب قصيرة#قصص خيالية عربية

قصص مشابهة

الطابق الذي لا يُذكَر - قصص قصيرة
رعب

الطابق الذي لا يُذكَر

في عمارة قديمة بقلب القاهرة، يكتشف مهندس الترميم أن هناك طابقاً كاملاً لا يظهر في المخططات ولا يتذكره أحد من السكان. لكن حين يقرر استكشافه وحده، يدرك أن بعض الأبواب لم تُغلق لحماية ما في الخارج... بل لحماية ما في الداخل.

الحكمة: بعض الأبواب المغلقة لم تُغلق لتُفتح، بل أُغلقت لأن ما خلفها لا يُشبع جوعه. والفضول الذي يقودنا إلى المجهول قد يكون هو نفسه الطُّعم الذي نُصب لنا منذ الأزل.

20 دقائق
2
0
المنارة التي لا تنطفئ - قصص قصيرة
رعب

المنارة التي لا تنطفئ

في جزيرة منسية قبالة ساحل عُمان، يتحدى خمسة مراهقين بعضهم البعض لقضاء ليلة في منارة مهجورة يُقال إن حارسها الأخير جُنّ فيها قبل أربعين عاماً. لكن ما اكتشفوه في تلك الليلة لم يكن مجرد حكاية قديمة — بل كان شيئاً ينتظرهم بالاسم.

الحكمة: الفضول الأعمى والغرور بالشجاعة قد يقودان إلى أبواب لا يمكن إغلاقها مجدداً، وأحياناً يكون الثمن الحقيقي للمغامرة هو أن تفقد جزءاً من روحك لن يعود أبداً.

12 دقائق
1
0
المنارة التي تبتلع البحّارة - قصص قصيرة
رعب

المنارة التي تبتلع البحّارة

في جزيرة منسية وسط البحر، منارة لم يعد منها أحد قط. ثلاثة رجال تجرّأوا على صعود درجاتها في ليلة عاصفة، لكنّ ما وجدوه في القمة لم يكن ضوءاً... بل شيئاً يتنفّس.

الحكمة: الفضول الذي لا يحترم حدود المجهول قد يُحوّل المستكشِف إلى جزء ممّا كان يبحث عنه — فبعض الأسرار تبقى حيّة لأنها تتغذّى على من يكشفها.

12 دقائق
4
0