
الغرفة التي تتنفّس
لاحظَ الأمرَ في الليلة الثالثة.
كان نوّاف مستلقياً على سريره الجديد، يحدّق في سقف الغرفة البيضاء، حين رأى الجدار الأيمن ينتفخ قليلاً ثمّ يعود. حركةٌ بطيئة، إيقاعية، كأنّ شيئاً خلف الطلاء يتنفّس.
أغمض عينيه. فتحهما. الجدار ساكن.
قال لنفسه: الإرهاق. ثلاثة أيّام من نقل الأثاث والكراتين وحيداً كافيةٌ لتجعل العقل يرى ما ليس موجوداً. أطفأ المصباح ونام.
في الصباح، وجد شقوقاً رفيعة في الجدار لم تكن موجودة بالأمس. خطوطٌ دقيقة كالشعيرات الدموية، تتفرّع من زاوية الغرفة نحو السقف. مرّر إصبعه عليها فشعر بدفء غريب، كأنّه يلمس جلداً بشرياً بعد حُمّى.
اتّصل بصاحب العقار، الحاج مرزوق، رجلٌ ثمانينيّ بصوتٍ كالحصى المبلّل.
«الشقوق عادية يا ابني. بيت قديم. الحيطان تشتغل.»
«تشتغل؟»
«تتمدّد وتنكمش مع الحرارة. هذا عمرها خمسين سنة.»
أقنعه التفسير نهاراً. لكنّ الليل كان له رأيٌ آخر.
في منتصف تلك الليلة، استيقظ على صوت. لم يكن طرقاً ولا صريراً. كان أشبه بزفير. شهيقٌ بطيء ثمّ زفيرٌ أبطأ، يأتي من كلّ الاتجاهات في آن. الجدران الأربعة تتحرّك. تنتفخ. تنكمش. تنتفخ. تنكمش. والشقوق الرفيعة صارت أعرض، يسيل منها سائلٌ داكن له رائحة الحديد الصدئ.
قفز من السرير. أشعل كلّ مصباح في الشقة. الحركة توقّفت. لكنّ السائل بقيَ على الجدار، أحمرُ يميل إلى البنّي. مسحه بيده المرتجفة فكان دافئاً.
لم ينم تلك الليلة. جلس في المطبخ يحتسي قهوةً تلو أخرى، يراقب ممرّ غرفة النوم، بابها المفتوح ينظر إليه كفمٍ فاغر.
في الفجر، اتّصل بالحاج مرزوق مجدّداً.
«من سكن هذه الشقة قبلي؟»
صمتٌ طويل. ثمّ: «ليش تسأل؟»
«أجبني.»
«شابّ. عاش فيها وحده سنتين. ثمّ... اختفى.»
«اختفى؟»
«ما لقوه. لا في الشقة ولا بره. تبخّر. البوليس فتّش كل شيء. ما في أثر.»
أنهى المكالمة. وقف أمام باب الغرفة. الجدران ساكنة في ضوء الصباح. لكنّه لاحظ شيئاً لم يرَه من قبل: الشقوق على الجدار الأيمن لم تكن عشوائية. كانت تُشكّل خطوطاً. خطوطاً لها ملامح.
اقترب. حدّق.
وجه.
وجهٌ بشريّ مطبوع داخل الجدار، فمه مفتوح في صرخةٍ صامتة، عيناه محدّقتان في سقف الغرفة. كأنّ أحداً ذاب في الطلاء، أو كأنّ الجدار ابتلعه حيّاً.
تراجع نوّاف خطوة. خطوتين.
شعر بشيء خلفه. دفء. الجدار المقابل يلامس ظهره.
لكنّ الجدار المقابل كان يبعد عنه ثلاثة أمتار قبل لحظة.
التفت ببطء.
الغرفة تصغر.
الجدران تقترب.
وهي تتنفّس.
✦الحكمة المستفادة
ليس كلُّ ما يبدو ساكناً ميّتاً، وليس كلُّ مأوى آمناً — فالغفلة عن العلامات التي يبعثها الخطر هي أوّل خطوة نحو الهاوية.
قصص مشابهة

ظلال في الزقاق المظلم
في زقاق ضيق قديم، حيث تتعانق الظلال مع الغموض، تبدأ قصة رعب حقيقية تديرها مشاعر الخوف والوحدة. اكتشف أسرار الظلام قبل فوات الأوان.
الحكمة: الخوف الحقيقي يتسلل من غياهب الظلام، حيث تعيش الأشباح التي لا تُرى.

ظل في ظلمة الغابة
في ليلة عاصفة، اكتشف سمير وأصدقاؤه سرًا غامضًا في غابة عملاقة. هل سيتمكنون من مواجهة الرعب الذي ينتظرهم؟
الحكمة: الظلام قد يخفي الكثير من الأهوال، وأحيانًا ما لا نراه يكون أكثر رعبًا مما نتخيل.

أسرار الليل: ظل في الزقاق
في إحدى ليالي المدينة المهجورة، حيث تسكن الظلال بين الأزقة، يجد كريم نفسه في مواجهة مخاوفه العميقة. هل يستطيع النجاة من الخطر الذي يراقبه؟
الحكمة: الخوف من الماضي قد يؤسر روحنا إذا لم نواجهه بشجاعة.