
المرآة التي تتنفس
بقلم: فريق تحرير قصص قصيرة
آخر تحديث: ٢٨ يوليو ٢٠٢٦
نص أصلي راجعه محرر بشري لغوياً وتحقق من مناسبته للفئة العمرية قبل النشر. منهجية التحرير
بُخار خفيف تسلّل من سطح المرآة، كأنّ شيئاً يتنفّس خلف الزجاج.
وقف ثامر مسمّراً في غرفة جدّه المتوفّى، يُحدّق في تلك المرآة البيضاوية المعلّقة على الجدار المتشقّق. كان قد جاء ليُفرغ البيت القديم من أثاثه بعد أربعين يوماً من الوفاة، وحيداً، في ساعةٍ تجاوزت منتصف الليل لأنّ الطريق من المدينة طويل. رائحة الصندل المحترق ما زالت عالقة بالجدران، ممزوجة بعفن السنين، وصرير النوافذ الخشبية يئنّ مع ريح تشرين.
مسح الغبار عن وجه المرآة بكمّه. انعكاسه بدا طبيعياً للحظة، ثمّ... تأخّرت حركة يده في الانعكاس. جزء من الثانية فقط. لكنّه لاحظ.
ابتلع ريقه. «الإرهاق»، همس لنفسه. لكنّ قلبه لم يُصدّق عقله.
أطفأ مصباح الغرفة وخرج إلى الممرّ. الأرضية الخشبية أطلقت أنيناً تحت قدميه. ثمّ سمعها: طقطقة خفيفة من الغرفة التي غادرها، كأنّ أصابع تنقر على زجاج من الداخل.
توقّف. التفت ببطء.
الباب كان قد أغلقه. لكنّه الآن موارَب.
عاد بخطوات محسوبة، ودفع الباب. المرآة كانت هناك، باردة، ساكنة. غير أنّ بصمات أصابع رطبة ظهرت على سطحها من الجهة الداخلية — خمسة أصابع واضحة، كأنّ يداً ضغطت على الزجاج من عالمٍ آخر.
تسارعت أنفاسه. اقترب رغماً عنه، كمن يمشي في حلم. حين صار وجهه قريباً من المرآة، رأى انعكاسه يبتسم.
لكنّه لم يكن يبتسم.
ارتجف جسده بالكامل. الانعكاس رفع يده ببطء، وأشار خلفه. خلف ثامر. في الغرفة الحقيقية.
«لا تلتفت»، قال الانعكاس بصوتٍ يُشبه صوته لكنّه يخرج من قاع بئر.
شعر بنَفَسٍ دافئ على رقبته. قريب. قريب جداً.
أغمض عينيه. تذكّر ما كان جدّه يُردّد: «ما يسكن الظلام يتغذّى على خوفك، فإن لم تخفه، جاع ومضى». كان يظنّها خرافات عجوز. لكنّه الآن فهم.
فتح عينيه. نظر في المرآة بثبات. قال بصوتٍ متماسك رغم ارتعاش شفتيه:
«أنا لا أخافك. هذا بيت جدّي. وأنتَ لا شيء.»
النَّفَس الدافئ على رقبته توقّف. البصمات على المرآة بدأت تتلاشى كأنّ بخاراً يتبدّد. الانعكاس عاد طبيعياً — عيناه الخائفتان، وجهه الشاحب، لكنّه هو.
وفي تلك اللحظة سمع صوتاً آخر: أذان الفجر يتسلّل من مئذنة القرية البعيدة، رقيقاً كخيط نور يشقّ عتمة كثيفة. انسحب البرد من الغرفة دفعةً واحدة، ودخل نسيم فجريّ من النافذة المكسورة يحمل رائحة الزعتر البرّي.
جلس ثامر على الأرض، ظهره إلى الحائط، يضحك ضحكة مرتجفة فيها عرفان ناجٍ من غرق. نزع المرآة عن الجدار، ولفّها بقماش سميك.
حين خرج من البيت والشمس تصبغ الأفق بالبرتقالي، حفر حفرةً عميقة تحت شجرة التين العتيقة، ودفن المرآة هناك.
همس وهو يُهيل التراب: «ارقد بسلام يا جدّي. فهمتُ الدرس.»
✦الحكمة المستفادة
الخوف لا يملك سلطاناً إلّا على من يمنحه إذناً بالدخول؛ فمن واجه ظلامه بثباتٍ وجد النور ينتظره خلف آخر لحظة من الرعب.
أسئلة شائعة عن هذه القصة
عن ماذا تتحدث قصة "المرآة التي تتنفس"؟
في بيتٍ عتيقٍ تتسلّل منه رائحة العفن والذكريات، يكتشف ثامر مرآةً قديمة تعكس ما لا ينبغي أن يُرى. لكنّ ما يتربّص خلف الزجاج ليس شبحاً... بل شيئاً أقرب إليه مما تصوّر.
ما الحكمة المستفادة من قصة "المرآة التي تتنفس"؟
الخوف لا يملك سلطاناً إلّا على من يمنحه إذناً بالدخول؛ فمن واجه ظلامه بثباتٍ وجد النور ينتظره خلف آخر لحظة من الرعب.
كم يستغرق قراءة قصة "المرآة التي تتنفس"؟
تستغرق قراءة القصة حوالي 2 دقائق بمعدل قراءة متوسط. يبلغ طول النص نحو 380 كلمة موزعة على 21 مقطعاً، وهو طول مناسب لجلسة قراءة واحدة قبل النوم أو خلال فسحة قصيرة.
هل قصة "المرآة التي تتنفس" مناسبة للأطفال؟
هذه القصة مصنّفة للقراء الكبار وليست موجهة للأطفال الصغار، إذ تحتوي على أحداث أو أجواء قد لا تناسب الفئات العمرية الصغيرة. إن كنت تبحث عن قصة لطفلك، ننصح بتصفح قسم قصص الأطفال الذي تُصنّف قصصه حسب العمر.
إلى أي قسم تنتمي قصة "المرآة التي تتنفس"؟
تنتمي القصة إلى قسم قصص رعب (قصص رعب قصيرة مخيفة). يمكنك تصفح باقي قصص هذا القسم من صفحة القسم للعثور على قصص مشابهة في الأسلوب والموضوع.
هل يمكنني قراءة قصة "المرآة التي تتنفس" لأطفالي أو في الصف؟
نعم، قراءة القصة لأطفالك أو استخدامها في نشاط صفّي أو حلقة قراءة غير تجارية مسموح بها مع ذكر اسم الموقع كمصدر. أما إعادة نشر نص القصة كاملاً على موقع أو صفحة أخرى فغير مسموح، لأن النص أصلي ومحمي بحقوق النشر.


