
المرآة التي تتنفس
بُخار خفيف تسلّل من سطح المرآة، كأنّ شيئاً يتنفّس خلف الزجاج.
وقف ثامر مسمّراً في غرفة جدّه المتوفّى، يُحدّق في تلك المرآة البيضاوية المعلّقة على الجدار المتشقّق. كان قد جاء ليُفرغ البيت القديم من أثاثه بعد أربعين يوماً من الوفاة، وحيداً، في ساعةٍ تجاوزت منتصف الليل لأنّ الطريق من المدينة طويل. رائحة الصندل المحترق ما زالت عالقة بالجدران، ممزوجة بعفن السنين، وصرير النوافذ الخشبية يئنّ مع ريح تشرين.
مسح الغبار عن وجه المرآة بكمّه. انعكاسه بدا طبيعياً للحظة، ثمّ... تأخّرت حركة يده في الانعكاس. جزء من الثانية فقط. لكنّه لاحظ.
ابتلع ريقه. «الإرهاق»، همس لنفسه. لكنّ قلبه لم يُصدّق عقله.
أطفأ مصباح الغرفة وخرج إلى الممرّ. الأرضية الخشبية أطلقت أنيناً تحت قدميه. ثمّ سمعها: طقطقة خفيفة من الغرفة التي غادرها، كأنّ أصابع تنقر على زجاج من الداخل.
توقّف. التفت ببطء.
الباب كان قد أغلقه. لكنّه الآن موارَب.
عاد بخطوات محسوبة، ودفع الباب. المرآة كانت هناك، باردة، ساكنة. غير أنّ بصمات أصابع رطبة ظهرت على سطحها من الجهة الداخلية — خمسة أصابع واضحة، كأنّ يداً ضغطت على الزجاج من عالمٍ آخر.
تسارعت أنفاسه. اقترب رغماً عنه، كمن يمشي في حلم. حين صار وجهه قريباً من المرآة، رأى انعكاسه يبتسم.
لكنّه لم يكن يبتسم.
ارتجف جسده بالكامل. الانعكاس رفع يده ببطء، وأشار خلفه. خلف ثامر. في الغرفة الحقيقية.
«لا تلتفت»، قال الانعكاس بصوتٍ يُشبه صوته لكنّه يخرج من قاع بئر.
شعر بنَفَسٍ دافئ على رقبته. قريب. قريب جداً.
أغمض عينيه. تذكّر ما كان جدّه يُردّد: «ما يسكن الظلام يتغذّى على خوفك، فإن لم تخفه، جاع ومضى». كان يظنّها خرافات عجوز. لكنّه الآن فهم.
فتح عينيه. نظر في المرآة بثبات. قال بصوتٍ متماسك رغم ارتعاش شفتيه:
«أنا لا أخافك. هذا بيت جدّي. وأنتَ لا شيء.»
النَّفَس الدافئ على رقبته توقّف. البصمات على المرآة بدأت تتلاشى كأنّ بخاراً يتبدّد. الانعكاس عاد طبيعياً — عيناه الخائفتان، وجهه الشاحب، لكنّه هو.
وفي تلك اللحظة سمع صوتاً آخر: أذان الفجر يتسلّل من مئذنة القرية البعيدة، رقيقاً كخيط نور يشقّ عتمة كثيفة. انسحب البرد من الغرفة دفعةً واحدة، ودخل نسيم فجريّ من النافذة المكسورة يحمل رائحة الزعتر البرّي.
جلس ثامر على الأرض، ظهره إلى الحائط، يضحك ضحكة مرتجفة فيها عرفان ناجٍ من غرق. نزع المرآة عن الجدار، ولفّها بقماش سميك.
حين خرج من البيت والشمس تصبغ الأفق بالبرتقالي، حفر حفرةً عميقة تحت شجرة التين العتيقة، ودفن المرآة هناك.
همس وهو يُهيل التراب: «ارقد بسلام يا جدّي. فهمتُ الدرس.»
✦الحكمة المستفادة
الخوف لا يملك سلطاناً إلّا على من يمنحه إذناً بالدخول؛ فمن واجه ظلامه بثباتٍ وجد النور ينتظره خلف آخر لحظة من الرعب.
قصص مشابهة

الطابق الذي لا يُذكر
حين قبِل وسام العمل حارسًا ليليًّا في عمارة الحاج مرزوق المهجورة، لم يُخبره أحد بالطابق الرابع. لم يكن مدرجًا في المخطط، ولم يكن له زرّ في المصعد، لكنّ أصواته كانت أوضح من أيّ طابق آخر.
الحكمة: الفضول الذي لا يُصغي لتحذيرات من سبقونا قد يقودنا إلى أبواب لا تُفتح إلا في اتجاه واحد، والأماكن التي تُخفي أسرارها بإحكام إنّما تفعل ذلك لسبب وجيه.

الباب الذي لا يُغلق
في بيت جدّه المهجور، اكتشف سامر باباً لم يكن موجوداً من قبل. كان مفتوحاً بمقدار إصبع، ومن خلفه تسلّل همسٌ يعرف اسمه. لكن الرعب الحقيقي لم يكن خلف الباب... بل في ما اكتشفه حين نظر في المرآة.
الحكمة: ليس كلّ ما يدعوك بالاسم يعرفك حقاً، وليس كلّ فضول يستحقّ أن تتبعه — فبعض الأبواب حين تُفتح، لا تُغلق أبداً.

الغرفة التي تتنفّس
حين انتقل نوّاف إلى شقّته الجديدة، لاحظ أنّ جدران غرفة النوم تتمدّد وتنكمش كصدر نائم. ظنّ الأمر وهماً، لكنّ الجدران لم تكن وحدها ما يتنفّس في ذلك المكان.
الحكمة: ليس كلُّ ما يبدو ساكناً ميّتاً، وليس كلُّ مأوى آمناً — فالغفلة عن العلامات التي يبعثها الخطر هي أوّل خطوة نحو الهاوية.