العودة إلى قصص رعب
المرآة التي تتنفس
رعب

المرآة التي تتنفس

2 دقائق للقراءة
١٥‏/٣‏/٢٠٢٦
3 مشاهدة
للكبار
استمع للقصة
اضغط للاستماع

بُخار خفيف تسلّل من سطح المرآة، كأنّ شيئاً يتنفّس خلف الزجاج.

وقف ثامر مسمّراً في غرفة جدّه المتوفّى، يُحدّق في تلك المرآة البيضاوية المعلّقة على الجدار المتشقّق. كان قد جاء ليُفرغ البيت القديم من أثاثه بعد أربعين يوماً من الوفاة، وحيداً، في ساعةٍ تجاوزت منتصف الليل لأنّ الطريق من المدينة طويل. رائحة الصندل المحترق ما زالت عالقة بالجدران، ممزوجة بعفن السنين، وصرير النوافذ الخشبية يئنّ مع ريح تشرين.

مسح الغبار عن وجه المرآة بكمّه. انعكاسه بدا طبيعياً للحظة، ثمّ... تأخّرت حركة يده في الانعكاس. جزء من الثانية فقط. لكنّه لاحظ.

ابتلع ريقه. «الإرهاق»، همس لنفسه. لكنّ قلبه لم يُصدّق عقله.

أطفأ مصباح الغرفة وخرج إلى الممرّ. الأرضية الخشبية أطلقت أنيناً تحت قدميه. ثمّ سمعها: طقطقة خفيفة من الغرفة التي غادرها، كأنّ أصابع تنقر على زجاج من الداخل.

توقّف. التفت ببطء.

الباب كان قد أغلقه. لكنّه الآن موارَب.

عاد بخطوات محسوبة، ودفع الباب. المرآة كانت هناك، باردة، ساكنة. غير أنّ بصمات أصابع رطبة ظهرت على سطحها من الجهة الداخلية — خمسة أصابع واضحة، كأنّ يداً ضغطت على الزجاج من عالمٍ آخر.

تسارعت أنفاسه. اقترب رغماً عنه، كمن يمشي في حلم. حين صار وجهه قريباً من المرآة، رأى انعكاسه يبتسم.

لكنّه لم يكن يبتسم.

ارتجف جسده بالكامل. الانعكاس رفع يده ببطء، وأشار خلفه. خلف ثامر. في الغرفة الحقيقية.

«لا تلتفت»، قال الانعكاس بصوتٍ يُشبه صوته لكنّه يخرج من قاع بئر.

شعر بنَفَسٍ دافئ على رقبته. قريب. قريب جداً.

أغمض عينيه. تذكّر ما كان جدّه يُردّد: «ما يسكن الظلام يتغذّى على خوفك، فإن لم تخفه، جاع ومضى». كان يظنّها خرافات عجوز. لكنّه الآن فهم.

فتح عينيه. نظر في المرآة بثبات. قال بصوتٍ متماسك رغم ارتعاش شفتيه:

«أنا لا أخافك. هذا بيت جدّي. وأنتَ لا شيء.»

النَّفَس الدافئ على رقبته توقّف. البصمات على المرآة بدأت تتلاشى كأنّ بخاراً يتبدّد. الانعكاس عاد طبيعياً — عيناه الخائفتان، وجهه الشاحب، لكنّه هو.

وفي تلك اللحظة سمع صوتاً آخر: أذان الفجر يتسلّل من مئذنة القرية البعيدة، رقيقاً كخيط نور يشقّ عتمة كثيفة. انسحب البرد من الغرفة دفعةً واحدة، ودخل نسيم فجريّ من النافذة المكسورة يحمل رائحة الزعتر البرّي.

جلس ثامر على الأرض، ظهره إلى الحائط، يضحك ضحكة مرتجفة فيها عرفان ناجٍ من غرق. نزع المرآة عن الجدار، ولفّها بقماش سميك.

حين خرج من البيت والشمس تصبغ الأفق بالبرتقالي، حفر حفرةً عميقة تحت شجرة التين العتيقة، ودفن المرآة هناك.

همس وهو يُهيل التراب: «ارقد بسلام يا جدّي. فهمتُ الدرس.»

الحكمة المستفادة

الخوف لا يملك سلطاناً إلّا على من يمنحه إذناً بالدخول؛ فمن واجه ظلامه بثباتٍ وجد النور ينتظره خلف آخر لحظة من الرعب.

#قصص رعب#قصص قصيرة#قصة رعب عربية#قصص مرعبة#قصص جن#قصص أشباح#بيت مسكون#مرآة مسكونة#قصص رعب قصيرة#قصص عربية مخيفة#رعب نفسي

قصص مشابهة

ظلال في الزقاق المظلم - قصص قصيرة
رعب

ظلال في الزقاق المظلم

في زقاق ضيق قديم، حيث تتعانق الظلال مع الغموض، تبدأ قصة رعب حقيقية تديرها مشاعر الخوف والوحدة. اكتشف أسرار الظلام قبل فوات الأوان.

الحكمة: الخوف الحقيقي يتسلل من غياهب الظلام، حيث تعيش الأشباح التي لا تُرى.

20 دقائق
2
0
ظل في ظلمة الغابة - قصص قصيرة
رعب

ظل في ظلمة الغابة

في ليلة عاصفة، اكتشف سمير وأصدقاؤه سرًا غامضًا في غابة عملاقة. هل سيتمكنون من مواجهة الرعب الذي ينتظرهم؟

الحكمة: الظلام قد يخفي الكثير من الأهوال، وأحيانًا ما لا نراه يكون أكثر رعبًا مما نتخيل.

20 دقائق
5
0
أسرار الليل: ظل في الزقاق - قصص قصيرة
رعب

أسرار الليل: ظل في الزقاق

في إحدى ليالي المدينة المهجورة، حيث تسكن الظلال بين الأزقة، يجد كريم نفسه في مواجهة مخاوفه العميقة. هل يستطيع النجاة من الخطر الذي يراقبه؟

الحكمة: الخوف من الماضي قد يؤسر روحنا إذا لم نواجهه بشجاعة.

20 دقائق
3
0