
المرآة التي لا تعكس وجهي
كانت المرآة هي الشيء الوحيد الذي أوصت جدّته ألّا يمسّه أحد.
علّقوها في غرفة مهجورة في الطابق العلوي، وأغلقوا الباب بمفتاحٍ نحاسيّ صدئ، ونسيها الجميع — إلا سليم. سليم الذي ورث البيت بعد وفاة أبيه، والذي لم تكن تربطه بجدّته سوى ذكريات مبهمة: رائحة بخور، أصابع مرتجفة تمسك مسبحة من العقيق، وصوتٌ خشن يردّد: «لا تنظر فيها يا ولدي... لا تنظر فيها أبداً.»
لكن الفضول جرثومة لا تموت.
في الليلة الثالثة بعد انتقاله إلى البيت، صحا سليم على صوتٍ خافت. لم يكن طرقاً ولا صريراً، بل شيء أشبه بالتنفّس — تنفّس بطيء، عميق، يأتي من فوق. جلس في سريره وأصغى. كان المنزل غارقاً في سكونٍ ثقيل كماء راكد، والريح في الخارج قد هدأت تماماً كأنها هي الأخرى تنصت. ثم جاء الصوت مرة أخرى: زفيرٌ طويل يتسرّب من شقوق السقف.
صعد الدرج حافي القدمين. كان الدرج الخشبي يئنّ تحت وزنه كأنه يحتجّ على صعوده. وقف أمام باب الغرفة المهجورة، ومدّ يده إلى المفتاح النحاسي المعلّق على مسمارٍ صدئ بجانب الإطار. أداره ببطء. انفتح الباب بلا صوت، كأنه كان ينتظر.
كانت المرآة هناك.
بيضاوية الشكل، بإطارٍ من خشب الأبنوس المحفور عليه زخارف لم يستطع تمييزها في العتمة. بدت أكبر مما توقّع — بطول رجل تقريباً — وكان سطحها يلمع بضوءٍ شاحب لا مصدر له، كأنها تضيء من الداخل.
اقترب خطوة. خطوتين.
رأى انعكاسه.
لكنّ شيئاً لم يكن صحيحاً. الانعكاس واقفٌ كما هو، نعم، يرتدي ملابسه ذاتها — لكن وجهه... وجهه كان يبتسم. ابتسامة رقيقة، هادئة، بينما سليم نفسه كان يشعر بقشعريرة تزحف على ذراعيه كأصابع غير مرئية.
رفع يده اليمنى. الانعكاس لم يتحرك.
«ما هذا...»
همس ذلك. ثم رأى شفتي انعكاسه تتحركان. لم يسمع صوتاً، لكنه قرأ الكلمات على تلك الشفاه: «أخيراً جئت.»
تراجع سليم وأغلق الباب بعنف. نزل الدرج يتعثّر. لم ينم تلك الليلة.
في الصباح، أقنع نفسه أنه كان يحلم. الإرهاق والبيت القديم والذكريات — كلّها تصنع أشباحاً في الرأس. لكنّ شيئاً تغيّر بعد تلك الليلة. صار يسمع التنفّس كلّ ليلة، وصار يجد باب الغرفة العلوية مفتوحاً كلّ صباح رغم أنه يقفله بيديه. وفي اليوم الخامس، لاحظ أمراً أفزعه: انعكاسه في مرآة الحمّام بدأ يتأخّر — جزء من الثانية فقط — قبل أن يطابق حركاته.
عاد إلى الغرفة.
كان الانعكاس في المرآة البيضاوية ينتظره، واقفاً بلا حراك، وتلك الابتسامة ما زالت مرسومة على وجهه. لكنّ هذه المرة كان يرتدي ثياباً مختلفة — جلباباً أبيض قديماً يشبه ما كانت جدّته تصفه حين تحكي عن جدّه الذي لم يره أحد.
«من أنت؟» سأل سليم بصوتٍ مرتجف.
تحرّكت شفتا الانعكاس ببطء، وهذه المرّة سمع — لا بأذنيه بل في قاع جمجمته، صوتاً كصدى بئرٍ جافّة: «أنا أنتَ... قبل أن تضيع.»
قرّر سليم أن ينهي الأمر. أحضر مطرقة من القبو، صعد الدرج بخطواتٍ ثابتة، ودخل الغرفة. رفع المطرقة فوق رأسه. لكنّ الانعكاس هذه المرة لم يكن يبتسم. كان يبكي. دموعٌ حقيقية تسيل على خدّين شاحبين، وعيناه — عينا سليم ذاتهما — مملوءتان برعبٍ صادق.
ورفع الانعكاس يديه متوسّلاً.
توقّف سليم. نظر إلى يديه. لم تكونا تمسكان المطرقة. كانتا مرفوعتين في وضع التوسّل.
nظر إلى المرآة مرة أخرى.
الانعكاس — ذلك الذي كان يظنّه انعكاساً — كان هو من يمسك المطرقة.
ثم هوت المطرقة.
تحطّم الزجاج.
وجدوا سليم في صباح اليوم التالي ممدّداً بين شظايا المرآة، عيناه مفتوحتان على اتساعهما، وعلى وجهه ابتسامة هادئة لم تكن تشبهه. جاره الذي اتصل بالإسعاف قال إنه سمعه يردّد طوال الليل جملة واحدة بصوتٍ ليس صوته: «الآن أنا في الخارج... الآن أنا حرّ.»
وحين حملوا جثّته على النقّالة، لاحظ المسعف أمراً لم يذكره في تقريره — لأنه لم يجد كلماتٍ تصفه: شظايا المرآة المتناثرة على الأرض، كلّ واحدة منها، كانت تعكس وجهاً يبكي.
✦الحكمة المستفادة
ثمّة أبوابٌ في الذات لا ينبغي فتحها، فما يسكن خلف المرايا قد لا يكون انعكاساً لنا، بل قد يكون ما كنّا نختبئ منه طوال حياتنا — وحين نواجهه دون استعداد، يصبح هو نحن ونصبح نحن الظلّ.
قصص مشابهة

ظلال في الزقاق المظلم
في زقاق ضيق قديم، حيث تتعانق الظلال مع الغموض، تبدأ قصة رعب حقيقية تديرها مشاعر الخوف والوحدة. اكتشف أسرار الظلام قبل فوات الأوان.
الحكمة: الخوف الحقيقي يتسلل من غياهب الظلام، حيث تعيش الأشباح التي لا تُرى.

ظل في ظلمة الغابة
في ليلة عاصفة، اكتشف سمير وأصدقاؤه سرًا غامضًا في غابة عملاقة. هل سيتمكنون من مواجهة الرعب الذي ينتظرهم؟
الحكمة: الظلام قد يخفي الكثير من الأهوال، وأحيانًا ما لا نراه يكون أكثر رعبًا مما نتخيل.

أسرار الليل: ظل في الزقاق
في إحدى ليالي المدينة المهجورة، حيث تسكن الظلال بين الأزقة، يجد كريم نفسه في مواجهة مخاوفه العميقة. هل يستطيع النجاة من الخطر الذي يراقبه؟
الحكمة: الخوف من الماضي قد يؤسر روحنا إذا لم نواجهه بشجاعة.