
الممر الذي لا ينتهي
الضحكة التي أطلقها سامر عند مدخل القبو كانت آخر صوتٍ طبيعي سمعه تلك الليلة.
كانوا ثلاثة: سامر الذي لا يهاب شيئاً — أو هكذا يُقنع نفسه — ولينا التي تحمل كشافها كمن يحمل سيفاً، وباسل الذي أصرّ على التصوير بهاتفه رغم أن يديه ترتجفان كأوراق شجرة في عاصفة.
«المدرسة القديمة مهجورة منذ ثلاثين سنة،» همست لينا وهي تمسح خيوط العنكبوت عن وجهها، «يقولون إن حارسها اختفى ذات ليلة... ولم يجدوا منه إلا حذاءه عند باب القبو.»
«خرافات!» قال سامر، لكن صوته ارتدّ من الجدران الرطبة وعاد إليه مشوّهاً، كأن أحداً آخر يردد الكلمة ساخراً منه.
الممر امتدّ أمامهم بشكلٍ غريب. أطول مما ينبغي لقبو مدرسة صغيرة. الجدران من حجرٍ رماديّ يتصبّب منه ماءٌ أسود كالحبر، ورائحة التراب المبلل تختلط بشيءٍ آخر — شيء حلو ومُقبض، كعطرٍ قديم نسيَه صاحبه في غرفة موصدة.
بعد خمس دقائق من المشي، توقف باسل فجأة.
«انتظروا... ألم نمرّ بهذا الشقّ في الجدار قبل قليل؟»
نظر الثلاثة إلى الشق. كان يشبه ابتسامة عريضة. سامر أقسم أنه لم يكن موجوداً من قبل. لينا أقسمت أنهم مرّوا به مرتين. باسل لم يُقسم على شيء — فقط أشار بإصبعه المرتعش إلى شاشة هاتفه.
الساعة تعود إلى الوراء.
كانت العاشرة وإحدى عشرة دقيقة حين دخلوا. والآن تُشير الشاشة إلى العاشرة وثلاث دقائق.
صمتٌ ثقيل. ثم سمعوه — صوت تنفس بطيء، عميق، كأنّ الممر نفسه يتنفس. يشهق حين يمشون. يزفر حين يتوقفون.
«نعود!» صرخت لينا. استداروا وركضوا، لكن الممر خلفهم صار أطول. الجدران تقتربُ ببطء، سنتيمتراً سنتيمتراً، والسقف ينخفض كأنه يريد أن يحتضنهم.
سامر شعر بأصابع باردة تلمس قفاه. التفت. لا أحد.
الكشاف في يد لينا بدأ يخبو ويشتعل، يخبو ويشتعل، وفي كل ومضة ظلام كان الممر يتغير — الجدران أقرب، السقف أدنى، والشق في الحائط يتسع كأنه يفتح فمه.
باسل سقط. ركبتاه خانتاه. حين مدّ سامر يده ليسحبه، لمس شيئاً على الأرض — حذاء. حذاء قديم متيبّس. حذاء الحارس.
وفجأة، انطفأ الكشاف تماماً.
في الظلام المطلق، سمع سامر صوت لينا تصرخ من بعيد، بعيد جداً، كأنها على الطرف الآخر من العالم. ثم صوت باسل يتلاشى كأن أحداً يسحبه في الأرض. ثم لا شيء.
لا شيء سوى ذلك التنفس.
شهيق. زفير. شهيق.
في صباح اليوم التالي، وجد عمّال البلدية ثلاثة أحذية مصفوفة بعناية عند باب القبو. وابتسامة الشقّ في الجدار صارت أعرض قليلاً.
✦الحكمة المستفادة
الشجاعة الحقيقية ليست في تحدّي المجهول بلا حكمة، بل في معرفة متى تتراجع قبل أن يبتلعك الظلام الذي استخففتَ به.
قصص مشابهة

الطابق الذي لا يُذكر
حين قبِل وسام العمل حارسًا ليليًّا في عمارة الحاج مرزوق المهجورة، لم يُخبره أحد بالطابق الرابع. لم يكن مدرجًا في المخطط، ولم يكن له زرّ في المصعد، لكنّ أصواته كانت أوضح من أيّ طابق آخر.
الحكمة: الفضول الذي لا يُصغي لتحذيرات من سبقونا قد يقودنا إلى أبواب لا تُفتح إلا في اتجاه واحد، والأماكن التي تُخفي أسرارها بإحكام إنّما تفعل ذلك لسبب وجيه.

المرآة التي تتنفس
في بيتٍ عتيقٍ تتسلّل منه رائحة العفن والذكريات، يكتشف ثامر مرآةً قديمة تعكس ما لا ينبغي أن يُرى. لكنّ ما يتربّص خلف الزجاج ليس شبحاً... بل شيئاً أقرب إليه مما تصوّر.
الحكمة: الخوف لا يملك سلطاناً إلّا على من يمنحه إذناً بالدخول؛ فمن واجه ظلامه بثباتٍ وجد النور ينتظره خلف آخر لحظة من الرعب.

الباب الذي لا يُغلق
في بيت جدّه المهجور، اكتشف سامر باباً لم يكن موجوداً من قبل. كان مفتوحاً بمقدار إصبع، ومن خلفه تسلّل همسٌ يعرف اسمه. لكن الرعب الحقيقي لم يكن خلف الباب... بل في ما اكتشفه حين نظر في المرآة.
الحكمة: ليس كلّ ما يدعوك بالاسم يعرفك حقاً، وليس كلّ فضول يستحقّ أن تتبعه — فبعض الأبواب حين تُفتح، لا تُغلق أبداً.