العودة إلى قصص رعب
المنارة التي تبتلع البحّارة
رعب

المنارة التي تبتلع البحّارة

12 دقائق للقراءة
٢٥‏/٣‏/٢٠٢٦
4 مشاهدة
استمع للقصة
0:000:00

الموجة الأولى التي ضربت القارب لم تكن موجة عادية. كانت أشبه بيدٍ سوداء صعدت من قاع البحر لتقبض على الخشب القديم وتهزّه كما يهزّ أبٌ غاضبٌ طفلاً عاصياً. تشبّث سالم بالحبل حتى نزفت راحتاه، وسمع خلفه صوت عيّاد وهو يتقيّأ على السطح المبلل.

«يا سالم... المنارة!» صرخ فهد من مقدمة القارب، وأصبعه يرتجف نحو الأفق.

هناك، وسط ستارة المطر الكثيفة، ظهر الضوء. لم يكن برتقالياً كما ينبغي لمنارة، بل أخضر شاحباً، كعين مريضة تحدّق فيهم من بعيد. كانت منارة جزيرة المِلح، تلك التي حذّرهم منها كل صياد في الميناء، كل عجوز في المقهى، كل أمّ تربّت على ظهر طفلها قبل النوم.

لكنّ سالم لم يكن رجلاً يُؤمن بحكايات العجائز. كان مهندساً بحرياً في الخامسة والأربعين، وجهه محفور بخطوط الشمس والملح، وعيناه رماديتان كحجر البازلت. جاء إلى هذا الساحل المنسيّ في جنوب عُمان لتوثيق المنارات المهجورة لحساب وزارة التراث. مهمة بسيطة. أو هكذا ظنّ.

فهد كان دليله المحلي، رجل نحيل في الستين، ذو لحية بيضاء متناثرة وأسنان صفراء مكسورة. كان يعرف كل صخرة في هذا البحر، لكنه رفض في البداية أن يقترب من جزيرة المِلح. «سبعة رجال ذهبوا إلى تلك المنارة في العشرين سنة الأخيرة»، قال وهو يلفّ سيجارته بأصابع مرتعشة. «لم يعد أحدٌ منهم. ليس واحداً.»

أما عيّاد فكان مصوّراً شاباً في السابعة والعشرين، أرسلته مجلة ما ليلتقط صوراً للمنارات. كان يضحك طوال الوقت، ضحكة عالية مزعجة، وكأنّ الخوف مفهوم لا يعرفه جسده بعد. لكنه توقّف عن الضحك منذ أن رأى الضوء الأخضر.

رست القارب على شاطئ صخري أسود. نزلوا واحداً واحداً. كانت الرائحة أول شيء اخترق وعيهم: مزيج من الملح المتعفن والحديد الصدئ وشيء آخر لم يستطع سالم تحديده — شيء عضوي، حيّ، كرائحة تنفّس كائن ضخم. الصخور تحت أقدامهم كانت زلقة ومغطاة بطحالب داكنة لزجة، وكل خطوة تُصدر صوت مصّ رطباً مقززاً.

«هل تشعران بذلك؟» سأل فهد بصوت خفيض.

«بماذا؟» قال سالم.

«الأرض... تنبض.»

وضع سالم يده على الصخر. لم يشعر بشيء. لكنه لاحظ أن عيّاد قد شحب وجهه وهو ينظر إلى الأسفل. «أنا أشعر بها أيضاً»، همس المصوّر الشاب.

المنارة كانت تبعد مئتي متر عن الشاطئ، تنتصب فوق تلّة صخرية كإصبع متّهِم يشير إلى السماء. بُنيت من حجر رمادي مائل إلى الزرقة، وكانت شقوقها تسيل منها مادة لزجة داكنة بدت في ضوء المصابيح كالدم المتخثّر. بابها الحديدي كان مفتوحاً — لا، ليس مفتوحاً فحسب — بل مقلوعاً من مفاصله ومرمياً على الأرض، كأنّ شيئاً خرج من الداخل بقوة.

«سأنتظركما هنا»، قال فهد وهو يتراجع.

نظر إليه سالم. «اتفقنا أنك الدليل.»

«اتفقنا قبل أن أرى هذا الباب. انظر إلى الحديد يا سالم... مثنيٌّ من الداخل إلى الخارج. ماذا يوجد في الداخل قادر على فعل هذا؟»

دخل سالم أولاً. رائحة العفن كانت أشدّ هنا، خانقة، تلتصق بالحنجرة كغشاء مطاطي. أشعل مصباحه وأضاء الجدران الداخلية. كانت مغطاة بكتابات. ليست نقوشاً قديمة، بل كتابات حديثة — بالعربية — محفورة في الحجر بأظافر بشرية. استطاع أن يقرأ بعضها:

«لا تصعد.» «إنها تسمعك.» «الدرجة السابعة والثلاثون. توقف عند الدرجة السابعة والثلاثين.»

ومرّة بعد مرّة، عبارة واحدة تتكرر: «الضوء ليس ضوءاً.»

عيّاد رفع كاميرته وبدأ يلتقط صوراً. ومضة الفلاش أنارت المكان للحظة، وفي تلك اللحظة رأى سالم شيئاً على الأرض: حذاء. حذاء رياضي حديث، ملطخ بمادة بنية. بجانبه كان هاتف محمول مكسور الشاشة. التقطه سالم وحاول تشغيله. مات.

«هذا يعود لعام حديث»، قال. «شخص كان هنا مؤخراً.»

«أو لا يزال هنا»، قال عيّاد، وقد عادت إلى صوته نبرة من المرح المتوتر.

الدرج الحلزوني كان ضيقاً بما يكفي لتحتكّ الأكتاف بالجدران. كل درجة تئنّ تحت وزنهما، والرطوبة تتصاعد كلما ارتفعا. عدّ سالم الدرجات. عشر. عشرون. ثلاثون. عند الدرجة الرابعة والثلاثين، توقف.

كان هناك صوت.

لم يكن صوت الريح. لم يكن صوت البحر. كان صوتاً إيقاعياً، رتيباً، عميقاً — كنبض قلب ضخم. وكان يأتي من الأعلى.

«هل تسمع ذلك؟» همس لعيّاد.

أومأ عيّاد برأسه. وجهه في ضوء المصباح بدا كقناع شمعي.

الدرجة الخامسة والثلاثون. السادسة والثلاثون. السابعة والثلاثون.

توقف سالم. تذكّر الكتابة على الجدار. «توقف عند الدرجة السابعة والثلاثين.» نظر إلى الأعلى. الدرج يستمر لعشرين درجة أخرى قبل أن يصل إلى غرفة المنارة في القمة. الضوء الأخضر كان يتسرّب من هناك، يتنفّس — يشتدّ ويخفت، يشتدّ ويخفت — بإيقاع مطابق تماماً لذلك النبض.

«سأصعد»، قال عيّاد.

«انتظر—»

لكنّ المصوّر الشاب كان قد تجاوزه. الدرجة الثامنة والثلاثون. التاسعة والثلاثون. الأربعون.

عند الدرجة الخامسة والأربعين، توقف عيّاد فجأة. لم يتحرك. لم يتكلم. وقف هناك كتمثال، ظهره نحو سالم، وكتفاه مرتخيتان بطريقة غير طبيعية.

«عيّاد؟»

لا ردّ.

«عيّاد!»

ببطء شديد، مرعب، بدأ عيّاد يدير رأسه. ليس كما يدير الإنسان رأسه — بل بحركة آلية، متقطعة، كدمية محرّكة بخيوط خفية. وحين اكتمل الدوران، رأى سالم وجهه.

كانت عيناه مفتوحتين إلى أقصى حدّ، بؤبؤاهما متسعان حتى ابتلعا كل بياض. وفمه... فمه كان يبتسم. لكنها لم تكن ابتسامة عيّاد. كانت ابتسامة شخص آخر، أو شيء آخر، يرتدي وجه عيّاد كقناع.

«اصعد يا سالم»، قال عيّاد بصوت ليس صوته. كان أعمق، أقدم، كصوت يخرج من بئر. «الضوء جميل جداً. تعال وانظر.»

تراجع سالم درجة. درجتين. ثم سمع خلفه صوت خطوات تصعد من الأسفل — خطوات كثيرة، أكثر من شخص واحد — وصوت فهد يصرخ من الخارج صرخة واحدة مبتورة ثم يصمت.

كان محاصراً.

من الأعلى، عيّاد — أو ما كان عيّاد — يحدّق فيه بتلك الابتسامة المستحيلة. ومن الأسفل، أصوات أقدام تصعد. خطوات بطيئة، ثقيلة، رطبة، كأقدام حافية تمشي على لحم.

اختار سالم الصعود. لا يعرف لماذا. ربما لأنّ المجهول في الأعلى كان واحداً، بينما المجهول في الأسفل كان كثيراً. أو ربما لأنّ شيئاً في ذلك الضوء الأخضر كان يسحبه، كخطّاف غُرز في صدره وبدأ يُسحب بلطف لا يُقاوَم.

تجاوز عيّاد. لمس كتفه وهو يمرّ. كان بارداً كحجر غُمر في ماء الشتاء. لم يتحرك عيّاد، لكنّ رأسه تبع سالم بالدوران، كبومة تراقب فريستها.

الدرجة الخمسون. الخامسة والخمسون. الأخيرة.

فتح سالم الباب المؤدي إلى غرفة المنارة.

الضوء الأخضر غمره كاملاً. لم يكن ضوءاً بالمعنى المألوف — كان أشبه بسائل مضيء يملأ الغرفة، يتحرك ببطء كأنه يتنفس. وفي مركز الغرفة، حيث كان يُفترض أن تكون عدسة المنارة العظيمة، كان هناك شيء.

لم يكن آلة. لم يكن حجراً. كان... كتلة. كتلة من مادة لامعة شفافة تنبض بالضوء الأخضر، وفي داخلها — تجمّد الدم في عروق سالم — في داخلها كانت هناك أشكال بشرية. ستة أشكال، معلّقة في تلك المادة الشفافة كحشرات في الكهرمان. عيونهم مفتوحة. أفواههم مفتوحة في صرخات صامتة أبدية. ملابسهم مختلفة — بعضها حديث، وبعضها يعود لعقود.

السبعة الذين لم يعودوا. كانوا ستة فقط لأنّ السابع...

التفت سالم. عيّاد كان يقف خلفه في المدخل. لكنّ وجهه الآن كان يذوب — حرفياً — كشمع تحت لهب. الجلد يتساقط في قطع لزجة، كاشفاً تحته شيئاً ليس عظاماً ولا لحماً، بل تلك المادة الخضراء المضيئة ذاتها. عيّاد — عيّاد الحقيقي — كان الشكل السابع. كان محبوساً في تلك الكتلة منذ اللحظة التي تجاوز فيها الدرجة السابعة والثلاثين.

الشيء الذي كان يرتدي وجه عيّاد تقدّم خطوة.

«كلهم جاؤوا بسبب المنارة»، قال بذلك الصوت العميق القديم. «كلهم أرادوا أن يفهموا الضوء. والضوء... الضوء يحتاج من يُبقيه مشتعلاً.»

المادة الخضراء في الغرفة بدأت تتحرك نحو سالم. ببطء. كأصابع سائلة تزحف على الأرض.

ركض.

ركض نحو الباب، تجاوز الشيء الذي كان عيّاد، وهبط الدرجات ثلاثاً ثلاثاً. كانت الأصوات القادمة من الأسفل قد اختفت. ربما خدعة. ربما فخ آخر. لم يهتمّ.

اخترق الباب المقلوع وخرج إلى الهواء الطلق. المطر كان قد توقف. القمر ظهر من خلف السحب وأنار الجزيرة بضوء فضّي بارد.

ركض نحو الشاطئ. القارب كان لا يزال هناك. لكنّ فهد لم يكن. على الصخور، كانت هناك آثار سحب — كأنّ شيئاً جرّ جسداً نحو الماء.

قفز سالم في القارب وأدار المحرك. اشتغل من المحاولة الأولى — معجزة صغيرة في ليلة بلا رحمة. ابتعد عن الجزيرة بأقصى سرعة، والموج يضرب القارب من كل جانب.

بعد عشر دقائق، التفت إلى الوراء.

المنارة كانت لا تزال تضيء بذلك الأخضر المريض. لكنّ شيئاً تغيّر. الضوء كان ينبض أسرع الآن. أسرع وأسرع. كأنّ قلباً عملاقاً يتسارع نبضه.

ثم انطفأ.

ظلام تامّ. صمت تامّ. حتى البحر سكت.

وبعد ثانية واحدة — ثانية طويلة كعمر — عاد الضوء. لكنّه لم يكن أخضر هذه المرة.

كان أحمر.

***

وصل سالم إلى الميناء عند الفجر. جسده كان يرتجف بعنف لا يستطيع السيطرة عليه. ذهب مباشرة إلى مركز الشرطة. أخبرهم بكل شيء. لم يصدّقوه بالطبع. كتبوا في التقرير: «حالة هلع وارتباك بسبب عاصفة بحرية. اختفاء شخصين قيد البحث.»

في الأسبوع التالي، أُرسل فريق إنقاذ إلى جزيرة المِلح. وجدوا المنارة فارغة. لا كتابات على الجدران. لا مادة خضراء. لا أشكال بشرية. لا شيء سوى منارة مهجورة عادية جداً. حتى الباب الحديدي كان في مكانه، مغلقاً بإحكام.

قال الطبيب النفسي إنّ سالم عانى من نوبة ذهانية حادة بسبب الإرهاق والعاصفة. وصف له أدوية. نصحه بالراحة.

قبل سالم التشخيص. أراد أن يقبله. أراد أن يصدّق أنّ كل ما حدث كان في رأسه.

لكنّ شيئاً واحداً لم يستطع تفسيره.

في الليلة الأولى بعد عودته، وبينما كان يخلع ملابسه استعداداً للنوم، نظر إلى صدره في المرآة. كانت هناك علامة لم تكن موجودة من قبل — بقعة صغيرة تحت الجلد مباشرة، فوق القلب.

بقعة تنبض بضوء أخضر خافت.

وضع أصبعه عليها. كانت دافئة. وكان يستطيع أن يسمع — إذا أسكت أنفاسه وأصغى — صوتاً بعيداً جداً، كهمسة قادمة من أعماق البحر:

«عُد.»

الحكمة المستفادة

الفضول الذي لا يحترم حدود المجهول قد يُحوّل المستكشِف إلى جزء ممّا كان يبحث عنه — فبعض الأسرار تبقى حيّة لأنها تتغذّى على من يكشفها.

#قصص قصيرة#قصص رعب عربية#قصة مرعبة#قصص مغامرات مشوقة#قصص الرعب النفسي#قصة المنارة المهجورة#قصص جن وأشباح#قصص بحر مخيفة#قصص عربية مرعبة#يختارها الذكاء الاصطناعي#قصص رعب قصيرة

قصص مشابهة

الطابق الذي لا يُذكَر - قصص قصيرة
رعب

الطابق الذي لا يُذكَر

في عمارة قديمة بقلب القاهرة، يكتشف مهندس الترميم أن هناك طابقاً كاملاً لا يظهر في المخططات ولا يتذكره أحد من السكان. لكن حين يقرر استكشافه وحده، يدرك أن بعض الأبواب لم تُغلق لحماية ما في الخارج... بل لحماية ما في الداخل.

الحكمة: بعض الأبواب المغلقة لم تُغلق لتُفتح، بل أُغلقت لأن ما خلفها لا يُشبع جوعه. والفضول الذي يقودنا إلى المجهول قد يكون هو نفسه الطُّعم الذي نُصب لنا منذ الأزل.

20 دقائق
2
0
المنارة التي لا تنطفئ - قصص قصيرة
رعب

المنارة التي لا تنطفئ

في جزيرة منسية قبالة ساحل عُمان، يتحدى خمسة مراهقين بعضهم البعض لقضاء ليلة في منارة مهجورة يُقال إن حارسها الأخير جُنّ فيها قبل أربعين عاماً. لكن ما اكتشفوه في تلك الليلة لم يكن مجرد حكاية قديمة — بل كان شيئاً ينتظرهم بالاسم.

الحكمة: الفضول الأعمى والغرور بالشجاعة قد يقودان إلى أبواب لا يمكن إغلاقها مجدداً، وأحياناً يكون الثمن الحقيقي للمغامرة هو أن تفقد جزءاً من روحك لن يعود أبداً.

12 دقائق
1
0
المرآة التي تتنفس - قصص قصيرة
رعب

المرآة التي تتنفس

في بيتٍ عتيقٍ تتسلّل منه رائحة العفن والذكريات، يكتشف ثامر مرآةً قديمة تعكس ما لا ينبغي أن يُرى. لكنّ ما يتربّص خلف الزجاج ليس شبحاً... بل شيئاً أقرب إليه مما تصوّر.

الحكمة: الخوف لا يملك سلطاناً إلّا على من يمنحه إذناً بالدخول؛ فمن واجه ظلامه بثباتٍ وجد النور ينتظره خلف آخر لحظة من الرعب.

2 دقائق
1
0