
النحلة التي أخفت العسل
استيقظت الغابة على صوتٍ غريب: "بزززز... بزززز... بزززز!"
كانت نحولة، النحلة الصغيرة ذات الأجنحة اللامعة، تطير بسرعة بين الأشجار. خدّاها مُحمرّان، وقلبها يدقّ بقوة: طق طق طق!
لماذا؟ لأنّ نحولة فعلت شيئاً لم تفعله من قبل.
هذا الصباح، وجدت نحولة جرّة عسل كبيرة، كبيرة جداً، تلمع تحت شجرة التوت. كانت الجرّة مليئة بعسلٍ ذهبيّ جميل. شمّته فقالت: "واو!"
كان العسل لصديقتها دبدوبة، الدبّة الصغيرة البنّية التي تحبّ أن تربط شريطة حمراء حول أذنها اليمنى.
لكنّ نحولة أرادت العسل كلّه لنفسها. فأخذت الجرّة... وأخفتها في حفرة تحت الصخرة الكبيرة.
بعد قليل، جاءت دبدوبة تمشي وتبحث. كانت عيناها حزينتين مثل قمرين صغيرين.
"نحولة! هل رأيتِ جرّة العسل؟" سألت دبدوبة.
نظرت نحولة إلى الأرض. نظرت إلى السماء البرتقالية. نظرت إلى يمينها ثمّ إلى شمالها. ثمّ قالت بصوتٍ صغير: "لا... لم أرَها."
شيءٌ غريبٌ حدث في تلك اللحظة.
جناح نحولة الأيمن... توقّف عن اللمعان. صار باهتاً مثل ورقة قديمة.
"أوه!" قالت نحولة. لكنّها لم تقل شيئاً لدبدوبة.
مشت دبدوبة بعيداً وهي حزينة. وذهبت نحولة إلى صديقها فرفور، الفراشة الزرقاء الذي يحبّ أن يغنّي وهو يطير.
"فرفور! هل تريد عسلاً؟" قالت نحولة.
سألها فرفور: "من أين لكِ هذا العسل الكثير؟"
قالت نحولة بسرعة: "أنا... أنا صنعته وحدي! كلّه!"
كذبة ثانية!
وهنا... توقّف جناحها الأيسر عن اللمعان أيضاً.
حاولت نحولة أن تطير. رفرفت بجناحيها: واحد... اثنان... ثلاثة!
لكنّها لم ترتفع. جناحاها الباهتان لم يستطيعا حملها.
وقعت نحولة على العشب الأخضر الطريّ. لم تستطع الطيران!
"ماذا حدث لي؟" همست نحولة وعيناها مبلّلتان.
مرّت من فوقها سلحوفاة عجوز اسمها أمّ حكيم. كانت بطيئة جداً لكنّ عينيها ذكيّتان مثل نجمتين.
نظرت أمّ حكيم إلى جناحَي نحولة الباهتَين وقالت بهدوء: "أجنحة النحل تتغذّى على شيءٍ خاصّ يا صغيرتي."
"على ماذا؟" سألت نحولة.
ابتسمت أمّ حكيم ومشت بعيداً ببطء... ببطء... ببطء. ولم تقل شيئاً آخر.
جلست نحولة وحدها. الشمس بدأت تغيب. الغابة صارت برتقاليّة ثمّ بنفسجيّة. سمعت العصافير تغنّي أغنية المساء.
وفكّرت نحولة.
فكّرت كثيراً.
ثمّ وقفت على أرجلها الصغيرة السّتّ، ومشت - نعم مشت لأنّها لا تستطيع الطيران - حتّى وصلت إلى بيت دبدوبة.
طق طق طق! طرقت الباب.
فتحت دبدوبة الباب. كانت عيناها لا تزالان حزينتين.
قالت نحولة وصوتها يرتجف: "دبدوبة... أنا آسفة. أنا أخذت جرّة العسل وأخفيتها. ثمّ قلت إنّني لم أرَها. هذا لم يكن صحيحاً."
دمعة صغيرة نزلت من عين نحولة.
ونزلت دمعة من عين دبدوبة أيضاً.
لكنّ دبدوبة فعلت شيئاً جميلاً. فتحت ذراعيها الكبيرتين وقالت: "تعالي هنا يا صديقتي."
وحضنتها. حضناً دافئاً كبيراً.
وفي تلك اللحظة بالذات... لمع جناح نحولة الأيمن! ثمّ لمع جناحها الأيسر! صارا يلمعان أكثر من قبل، مثل قطعتَي قوس قزح.
رفرفت نحولة بجناحيها: واحد... اثنان... ثلاثة!
وطارت! طارت عالياً في سماء المساء البنفسجيّة!
"أنا أطير! أنا أطير!" صاحت نحولة وهي تضحك.
أحضرت نحولة جرّة العسل من تحت الصخرة. وجلست مع دبدوبة وفرفور وأمّ حكيم، وأكلوا العسل معاً تحت النجوم.
كان العسل حلواً. لكنّ شيئاً كان أحلى منه تلك الليلة.
أغمضت نحولة عينيها وهي مبتسمة. وأجنحتها تلمع في ضوء القمر.
وناااامت.
✦الحكمة المستفادة
حين تعبر الكلمات الصادقة شفاهنا، تنبت لأرواحنا أجنحة تحملنا أعلى مما نتخيّل، أمّا الكذب فيُثقل تلك الأجنحة حتى ننسى كيف نحلّق.
قصص مشابهة

قصة النملة الصغيرة والحبة الذهبية
قصة النملة الصغيرة نورا التي تعلمت أن العمل الجاد والصبر يحققان أعظم الأحلام، حتى لو بدت مستحيلة في البداية.
الحكمة: من جد وجد

مغامرة أحمد في مكتبة الأسرار السحرية
قصة أحمد الصغير الذي اكتشف مكتبة سحرية مليئة بالكتب المتحركة، وكيف ساعده حب القراءة على إنقاذ الكتب من الظلام وإعادة النور إليها.
الحكمة: العلم نور

الميزان الذي لا يكذب
في سوق تتصارع فيه الأصوات والروائح، يكتشف فتى اسمه وائل أن الميزان القديم في دكان جده لا يزن البضائع فحسب، بل يزن شيئاً آخر لم يكن يتوقعه أحد. قصة عن الأمانة حين لا يراك أحد، وعن الثمن الحقيقي للأشياء.
الحكمة: الأمانة ليست اختياراً نتخذه حين يرانا الناس، بل هي الاختبار الحقيقي حين لا يرانا أحد. وما نرفض أن نأخذه بالباطل يظل أثمن مما نملكه بالحق، لأنه يصنع فينا ميزاناً داخلياً لا تميل كفّته أبداً.