
خريطة النجوم المسروقة
الساعة لم تكن تعمل منذ سبعة عشر عاماً.
كانت معلّقة على جدار غرفة الجلوس كأنها عين ميتة ترقب الزمن دون أن تشارك فيه. عقاربها متوقفة عند الثالثة وسبع دقائق، وزجاجتها الأمامية مشقوقة بخطّ رفيع يشبه مجرى نهر جفّ منذ عصور. لم يجرؤ أحد في العائلة على إنزالها أو إصلاحها، فقد كانت آخر ما تركه الجدّ «نوّاف» قبل أن يختفي في رحلته الأخيرة إلى صحراء الرُّبع الخالي.
لكنّ «سراج» كان في الرابعة عشرة من عمره، وفي هذا العمر تحديداً، يبدو الفضول أقوى من كلّ تحذيرات الكبار.
أنزلَ الساعة عن الجدار في ليلة ممطرة من ليالي نوفمبر، حين كانت أمّه نائمة وأخوه الأصغر يشخر في غرفته. وضعها على طاولة المطبخ تحت ضوء المصباح الأصفر، وراح يتأمّلها. كانت ثقيلة بشكل غير طبيعي. خشبها من الجوز الداكن، محفور على إطارها نقوش هندسية دقيقة تشبه أنماط الزليج المغربي. قلبها وفحص ظهرها، فوجد لوحة نحاسية صغيرة كُتب عليها بخطّ مائل: «صنعت في فاس، ١٩٤٧».
مرّر أصابعه على الحافة السفلية، فأحسّ بنتوء صغير لا يكاد يُرى. ضغط عليه.
انفتح درج سرّي لم يكن يعلم أحد بوجوده.
داخل الدرج، مطوية بعناية شديدة، كانت ورقة رقيقة صفراء كلون العاج، مرسوم عليها نجوم ودوائر وخطوط متقاطعة بحبر بنّي باهت. في أسفلها، بخطّ جدّه الذي عرفه من رسائله القديمة، كُتبت عبارة واحدة:
«النجمة السابعة تشير إلى الباب. لا تدخل وحدك.»
---
في صباح اليوم التالي، كان سراج يركض نحو بيت «لمى».
لمى بنت الجيران. في الخامسة عشرة، نحيلة كعود قصب، شعرها أسود قصير لا يتجاوز كتفيها، وعيناها خلف نظارات مستديرة تمنحانها هيئة باحثة صغيرة. وهي فعلاً كانت كذلك؛ تقرأ كتب الفلك والآثار منذ أن كانت في العاشرة، وتحتفظ في غرفتها بخرائط للسماء رسمتها بنفسها.
طرق بابها ثلاث طرقات سريعة. فتحت وفي يدها كوب شاي ينبعث منه بخار كسول.
«ما الذي يجعلك تبدو كأنك رأيت شبحاً في السابعة صباحاً؟» سألته وهي تميل برأسها.
لم يجب. فرد الورقة أمامها على عتبة الباب.
تغيّر وجه لمى في لحظة. وضعت الكوب على الأرض ببطء شديد كأنها تخاف أن تكسر شيئاً هشّاً، ثمّ انحنت على الخريطة. أصابعها ترتجف وهي تتبّع الخطوط.
«هذه ليست خريطة عادية يا سراج. هذه خريطة فلكية ملاحية. تُستخدم لتحديد موقع على الأرض باستخدام مواقع النجوم. من أين أتيت بها؟»
أخبرها بكلّ شيء. الساعة. الدرج السري. عبارة جدّه.
«النجمة السابعة تشير إلى الباب،» كرّرت لمى ببطء. ثمّ رفعت رأسها وعيناها تلمعان خلف النظارات: «أعرف هذا النمط النجمي. هذه مجموعة الثريّا. والنجمة السابعة فيها هي أطلس... لكنّ هذا الخطّ هنا...»
سحبت هاتفها وفتحت تطبيق خرائط فلكية، وراحت تقارن. بعد عشر دقائق، رفعت رأسها وقالت بصوت أجشّ:
«الإحداثيات تشير إلى نقطة في صحراء النفود. على بعد مئة وثمانين كيلومتراً من هنا تقريباً. يا سراج... أعتقد أنّ جدّك كان يبحث عن مدينة الأعمدة.»
«مدينة الأعمدة؟»
«إرم ذات العماد. المدينة التي ذُكرت في القرآن والأساطير. يظنّ بعض علماء الآثار أنّ أطلالها مدفونة تحت رمال الجزيرة العربية. لم يجدها أحد قطّ بشكل مؤكد.»
صمتَ سراج. ثمّ قال بهدوء لم يكن يشعر به: «لا تدخل وحدك. هذا ما كتب.»
ابتسمت لمى ابتسامة مائلة. «إذن لن تدخل وحدك.»
---
استغرق التخطيط ثلاثة أيام.
أخبر سراج أمّه أنه سيذهب في رحلة مدرسية إلى المحمية الطبيعية، وأخبرت لمى أهلها أنها ستبيت عند خالتها في المدينة المجاورة. حزم كلاهما حقيبة صغيرة: ماء، طعام مجفف، حبل، مصباح يدوي، وبوصلة قديمة وجدها سراج في صندوق جدّه. أمّا لمى فأضافت منظاراً فلكياً صغيراً ودفتر ملاحظات.
استقلّا حافلة الفجر إلى بلدة «الحائط» الصغيرة على أطراف صحراء النفود، ومن هناك استأجرا سيارة دفع رباعي من رجل عجوز اسمه «أبو طلال» لم يسأل كثيراً حين دفعت له لمى كلّ مدّخراتها.
قال لهما فقط وهو يسلّمهما المفتاح: «الصحراء لا ترحم من لا يعرف متى يعود.»
قادت لمى، فقد كانت تعرف القيادة سرّاً منذ أن علّمها خالها على طرق المزارع. السيارة تهتزّ فوق الرمال وسراج يمسك الخريطة بيد والبوصلة بيد، يوجّهها:
«شمال الشمال الغربي... أبقي الشمس على يمينك.»
كانت الصحراء مذهلة ومرعبة في الوقت ذاته. كثبان رملية ذهبية ترتفع كأمواج متجمّدة، وسماء زرقاء واسعة بلا حدود، وصمت ثقيل لا يقطعه إلا صفير الريح وأزيز المحرك. الحرارة تلسع الجلد من خلف زجاج السيارة، والرمال تلمع تحت الشمس كأنها مطرّزة بخيوط ذهبية.
بعد أربع ساعات من القيادة، توقّف المحرك.
لم يسعل. لم يتردّد. توقّف فجأة كأنّ يداً خفية أطفأته.
«الوقود،» قالت لمى وهي تنظر إلى المؤشر. «نفد الوقود.»
نظر سراج حوله. لا شيء. لا شيء على الإطلاق سوى الرمال والسماء وحرارة تتجاوز الخمسين.
فتح الباب ونزل. الرمل الحارّ اخترق نعل حذائه الرياضي. الهواء جافّ كأنّه يخرج من فرن. شعر بلسانه يجفّ في فمه.
«كم تبقّى من الماء؟» سأل.
فتحت لمى الحقيبة. «أربع زجاجات. تكفينا يوماً ونصف إذا اقتصدنا.»
«وكم تبقّى من المسافة؟»
راجعت الخريطة والبوصلة. «عشرون كيلومتراً. مشياً على الأقدام... ستّ ساعات على الأقل في هذه الحرارة.»
نظر إلى الشمس المتوحّشة فوقهم. «ننتظر الغروب. نمشي ليلاً.»
هزّت لمى رأسها. «لكن حينها سنحتاج النجوم للملاحة بدل البوصلة. هل أنت مستعد لذلك؟»
ابتسم رغم الخوف الذي يعصر صدره. «لهذا أحضرتُكِ يا خبيرة النجوم.»
---
جلسا في ظلّ السيارة حتى الغروب. الساعات كانت أطول من أيّ ساعات عاشها سراج في حياته. الحرارة ترتفع ثمّ تبدأ بالانحسار ببطء مؤلم. رشفا الماء بالقطرة. أكلا تمراً وبسكويتاً مالحاً. لم يتكلّما كثيراً.
في لحظة صمت، قالت لمى بهدوء غريب: «هل فكّرت أنّ جدّك ربما لم يرجع لأنّه سلك هذا الطريق نفسه؟»
أحسّ سراج بقشعريرة رغم الحرّ. «فكّرت. لكنّ جدّي كان وحده. وأنا لست وحدي.»
حين غابت الشمس، انسكب على الصحراء برد مباغت. تحوّلت الرمال من ذهبية إلى فضية تحت ضوء القمر. وظهرت النجوم. ليس كما تظهر في المدينة - بضع نقاط خجولة في سماء ملوّثة بالأضواء - بل كما لم يرَها سراج من قبل: آلاف مؤلّفة، متلألئة، متزاحمة، كأنّ أحداً نثر حفنة ألماس على مخمل أسود.
وقفت لمى ورفعت المنظار. دارت ببطء، ثمّ أشارت: «هناك. مجموعة الثريّا. نمشي في اتجاهها.»
بدأا المسير.
المشي في الصحراء ليلاً يشبه المشي في حلم. الرمال تحت قدميك ناعمة وباردة، والصمت عميق كقاع بئر. بين الحين والآخر، يمرّ طائر ليلي فيُحدث حفيفاً يُوقف القلب. أو تتحرّك سحلية بين الحصى فتبدو في الظلام ككائن من عالم آخر.
مشيا لساعتين. ثلاث. أربع.
كانت قدما سراج تحترقان رغم البرد. عضلات ساقيه تصرخ. فمه جاف. لكنّه استمرّ. كلّما أراد أن يتوقف، نظر إلى لمى تمشي أمامه بخطوات ثابتة وظهر مستقيم، فيشعر بالخجل ويواصل.
في الساعة الثالثة فجراً - وهي نفس الساعة المنقوشة على ساعة جدّه - رأى سراج شيئاً.
لم يكن كثيباً عادياً. كان شكلاً هندسياً مختبئاً تحت الرمل. خطوط مستقيمة لا تصنعها الطبيعة. زوايا قائمة. ارتفاعات منتظمة.
«لمى...» همس.
كانت قد رأته أيضاً. توقّفت ويدها تغطّي فمها.
أمامهما، تبرز من الرمال أعمدة حجرية ضخمة، بعضها مائل وبعضها مكسور، لكنّ بعضها لا يزال واقفاً بشموخ يتحدّى آلاف السنين. حجر أبيض مائل للصفرة، منحوت بنقوش تشبه الكتابة المسمارية لكنّها أكثر انسيابية. وبين الأعمدة، ينحدر درج حجري إلى الأسفل... إلى باب.
الباب.
«النجمة السابعة تشير إلى الباب،» قال سراج بصوت يرتجف.
كان الباب حجرياً ضخماً، مزخرفاً بنقش يمثّل شمساً محاطة بسبع نجوم. وفي وسطه، فجوة على شكل دائرة صغيرة.
أخرجت لمى مصباحها وأضاءت النقوش. «هذه كتابة ثمودية قديمة. لا أستطيع قراءتها كلّها، لكن هذه الكلمة...» أشارت إلى رمز متكرر، «تعني 'حارس'. والكلمة بجانبها تعني 'ذاكرة'. حارس الذاكرة.»
نظر سراج إلى الفجوة الدائرية في وسط الباب. بدت بحجم... بحجم عقرب ساعة. أخرج من جيبه الساعة المحطمة التي كان قد أحضرها معه - لم يخبر لمى بذلك - وفكّ العقرب الأكبر. وضعه في الفجوة.
انطبق تماماً.
سُمع صوت طقطقة عميقة من داخل الحجر، كأنّ تروساً قديمة تستيقظ من سبات طويل. ثمّ انزلق الباب ببطء، ومن خلفه تدفّق هواء بارد يحمل رائحة غريبة: مزيج من البخور القديم والحجر الرطب والشيء الآخر... رائحة لم يستطع سراج تسميتها لكنّها أشعرته بالرهبة.
---
الدرج الداخلي كان طويلاً وحلزونياً. جدرانه ملساء، منقوشة بصور لأشخاص ونجوم وحيوانات غريبة. كلّ عشر درجات، كان هناك مشعل حجري مثبّت في الجدار، وبداخله بقايا شيء كان يوماً زيتاً.
نزلا بحذر. خطواتهما تتردّد أصداؤها في الممرّ الضيق. مصباح لمى يرتجف بين يديها.
«كم عمر هذا المكان برأيك؟» سأل سراج.
«آلاف السنين. ربما أربعة آلاف. ربما أكثر. هذا النوع من البناء... لم أرَ مثله في أيّ كتاب.»
وصلا إلى قاعة.
لم تكن قاعة. كانت مدينة.
فُتح الممرّ الضيق على فضاء واسع تحت الأرض، سقفه مقبّب مرتفع ترصّعه فتحات صغيرة يتسلّل منها ضوء النجوم - كأنّ من بنى هذا المكان صمّم السقف ليكون مرآة للسماء. وتحت هذا السقف، امتدّت أعمدة بيضاء هائلة تصطفّ كجنود عملاقة، وبينها بقايا مبانٍ حجرية: بيوت ومعابد وساحات ونوافير جفّ ماؤها منذ دهور.
وقف سراج مذهولاً. شعر بدموع حارّة تتجمّع في عينيه لسبب لم يفهمه.
«وجدها،» قالت لمى بصوت مخنوق. «جدّك وجدها فعلاً.»
مشيا بين الأعمدة في صمت مقدّس. كلّ شيء هنا كان محفوظاً بشكل مذهل: النقوش واضحة، الألوان باهتة لكنّها لا تزال مرئية، والأرضية مرصوفة بفسيفساء تمثّل خريطة لسماء الليل. كأنّ الزمن نسيَ هذا المكان أو تعمّد تجاهله.
ثمّ رأى سراج شيئاً جمّد الدم في عروقه.
في وسط الساحة الكبرى، بجانب نافورة جافة منحوتة على شكل زهرة، كان هناك معطف.
معطف بنّي قديم، مطوي بعناية على مقعد حجري.
عرفه فوراً. كان معطف جدّه نوّاف. المعطف نفسه الذي يظهر به في الصورة الوحيدة المعلّقة في بيتهم.
ركض نحوه. رفعه بيدين مرتعشتين. سقط من جيبه دفتر صغير بغلاف جلدي. فتحه سراج وقرأ أولى صفحاته:
«١٢ فبراير ١٩٩٠. وصلتُ أخيراً. المدينة حقيقية. لكنّني أعتقد الآن أنّ الكنز ليس ذهباً ولا جواهر. الكنز هو المدينة نفسها. هو المعرفة المنقوشة على هذه الجدران. وصفات طبية. خرائط فلكية أدقّ ممّا نملك اليوم. تقنيات ريّ ذكية. هؤلاء القوم كانوا يعرفون أشياء نسيناها. ويجب أن يعرف العالم.»
قلب الصفحات. كان جدّه قد قضى أياماً هنا، يرسم ويوثّق ويكتب. ثمّ، في الصفحات الأخيرة:
«١٨ فبراير. الماء ينفد. أعرف أنّني لن أستطيع العودة مشياً. أتركُ الخريطة في الساعة. من يجدها سيكون هو الشخص المناسب. أرجو ألّا يكون سراج قبل أن يكبر بما يكفي. لكنّني أعرف ذلك الولد... فضوله سيقوده إلى هنا حتماً. سراج، إذا كنت تقرأ هذا: لا تحزن عليّ. أنا لم أضِع. أنا وجدتُ ما كنتُ أبحث عنه. خذ هذا الدفتر إلى الجامعة. أخبرهم. العالم يحتاج أن يتذكّر.»
توقّفت يدا سراج عن الارتعاش. بدلاً من ذلك، بدأ يبكي بهدوء.
وقفت لمى بجانبه ولم تقل شيئاً. وضعت يدها على كتفه فقط.
بعد دقائق، مسح دموعه ونظر حوله. «أين هو؟» سأل بصوت أجشّ.
مشت لمى بضع خطوات إلى ما وراء النافورة، وأضاءت مصباحها. هناك، في تجويف في الجدار منحوت على شكل محراب، وُضعت عظام بشرية مرتّبة باحترام، وفوقها بوصلة نحاسية قديمة.
فهم سراج. جدّه اختار مكان راحته الأخير هنا. بين الأعمدة والنقوش والنجوم التي أحبّها.
---
ثمّ سمعا الصوت.
خطوات. فوقهم. على الدرج.
أطفأت لمى المصباح فوراً. اختبأا خلف عمود ضخم. في الظلام، سمع سراج تنفّس لمى السريع بجانبه ونبضات قلبه تدقّ في أذنيه.
الخطوات اقتربت. ثمّ ظهر ضوء مصباح قوي يرقص على الجدران. وصوت رجل يتكلّم في هاتف:
«نعم. وجدتُ المدخل مفتوحاً. يبدو أنّ شخصاً سبقنا. نعم... القاعة ضخمة. هذا يساوي ملايين في السوق السوداء. أرسل الفريق فوراً. نبدأ بتفكيك الأعمدة الصغيرة أولاً.»
أحسّ سراج بالغضب يشتعل في صدره كجمرة. تفكيك الأعمدة. سرقة المدينة. تحويل معرفة آلاف السنين إلى بضاعة في السوق السوداء.
أمسكت لمى بذراعه وشدّته بقوة. همست في أذنه: «لا. لا تتحرّك. لا يمكننا مواجهته.»
كانت محقّة. الرجل كان ضخماً، يرتدي ملابس عسكرية، ومعه حقيبة أدوات ثقيلة. لم يكن وحده على الأرجح.
«يجب أن نخرج ونبلّغ السلطات،» همست لمى. «هذا هو الحلّ الوحيد.»
«لكنّه يسدّ المخرج الوحيد.»
راقبا الرجل وهو يمشي في القاعة، يصوّر الأعمدة والنقوش بهاتفه. كان يبتعد تدريجياً عن الدرج.
«الآن،» قالت لمى.
انطلقا. ركضا في الظلام نحو الدرج. خطواتهما على الحجر أحدثت صدى.
«مَن هناك؟!» صرخ الرجل. ضوء مصباحه استدار نحوهما.
صعدا الدرج الحلزوني بسرعة جنونية. سراج يتعثّر، لمى تسحبه من يده. خلفهما، خطوات الرجل الثقيلة تصعد.
«قفا! قفا فوراً!»
خرجا من الباب إلى الليل الصحراوي. الهواء البارد صفع وجهيهما. نظر سراج حوله بيأس - لا سيارة، لا مكان للاختباء، لا شيء سوى الرمال والأعمدة.
ثمّ رأى شيئاً: سيارة الرجل. جيب أسود يقف على بعد خمسين متراً.
«هل تستطيعين قيادتها؟» سأل وهو يلهث.
«هل لدينا خيار آخر؟»
ركضا نحو الجيب. الباب مفتوح. المفتاح في محرّكه. لمى قفزت إلى مقعد السائق وأدارت المحرك. سراج بالكاد أغلق بابه حين انطلقت السيارة.
خلفهما في المرآة، رأى الرجل يخرج من المدخل ويركض نحوهما ثمّ يتوقف ويرفع هاتفه.
«سيتصل بشركائه،» قالت لمى وهي تقود بسرعة مجنونة فوق الرمال. السيارة تقفز وتهبط. «يجب أن نصل إلى أقرب مركز شرطة.»
«لمى. لمى!» صرخ سراج فجأة.
أمامهم، على قمة كثيب، أضواء. سيارتان تتحرّكان نحوهما.
انحرفت لمى يساراً بعنف. السيارة مالت حتى ظنّ سراج أنها ستنقلب. الرمال تتطاير حولهم كعاصفة ذهبية.
«الهاتف!» صرخ سراج. «هل في هذه السيارة هاتف أو جهاز اتصال؟»
فتح الدرج. وجد جهاز اتصال لاسلكي. أمسكه وضغط الزر وصرخ: «نداء استغاثة! نداء استغاثة! نحن في صحراء النفود! هناك عصابة تسرق آثاراً! المكان على بعد مئة وثمانين كيلومتراً جنوب شرق الحائط!»
لم يردّ أحد. أعاد الرسالة. ثلاث مرات. أربع.
السيارتان خلفهم تقتربان.
فجأة، تشقّق صوت من الجهاز: «هنا دورية حرس الحدود. التقطنا إشارتكم. حدّدوا موقعكم بدقة.»
nظر سراج إلى شاشة نظام الملاحة في السيارة. قرأ الإحداثيات بصوت مرتجف.
«فهمنا. ابقوا على تواصل. نحن في الطريق.»
لكنّ السيارتين كانتا أقرب. كثيراً.
بدأت لمى تناور بين الكثبان. يميناً. يساراً. فوق تلّة رملية. عبر وادٍ صخري ضيق. كانت تقود كأنّها وُلدت خلف المقود، عيناها مثبّتتان على الطريق ويداها ثابتتان رغم كلّ شيء.
ثمّ انفجر الإطار الأمامي.
انحرفت السيارة بعنف. صرخ سراج. أمسكت لمى بالمقود بكلتا يديها وداست على المكابح. انزلقت السيارة على الرمال وتوقفت بزاوية مائلة.
صمت.
ثمّ أصوات محرّكات تقترب.
nزل سراج وأمسك يد لمى. وقفا بجانب السيارة المعطّلة في وسط الصحراء وأضواء السيارتين تقترب.
«الدفتر،» قال سراج. «أعطيني الدفتر.»
أعطته لمى دفتر جدّه الذي كان قد وضعه في حقيبتها. فتح غطاء محرّك الجيب المعطّل، وثبّت الدفتر داخل تجويف بين الأسلاك حيث لن يبحث أحد.
«حتى لو أخذونا،» قال، «لن يجدوا الدليل.»
توقّفت السيارتان. نزل منهما أربعة رجال. أضواء مصابيحهم أعمت عيني سراج ولمى.
«طفلان؟» قال أحدهم بصوت لا يصدّق. «كلّ هذه المشاكل بسبب طفلين؟»
تقدّم رجل منهم - يبدو أنّه القائد - ووقف أمامهما. وجهه نحيل حادّ الملامح، وعيناه ضيّقتان.
«ماذا رأيتما هناك؟»
لم يجب سراج.
«أسألكما: ماذا رأيتما؟»
«أعمدة قديمة،» قال سراج بهدوء مصطنع. «لا شيء ذو قيمة. حجارة فقط.»
الرجل حدّق فيه طويلاً. ثمّ التفت إلى رجاله: «فتّشوا السيارة. وفتّشوهما.»
فتّشوا كلّ شيء. الحقائب. الجيوب. تحت المقاعد. لم يجدوا الدفتر.
القائد عاد إليهما. «من أرسلكما؟»
«لا أحد،» قالت لمى بصوت ثابت مدهش. «نحن مجرّد مراهقَين غبيَّين خرجا في مغامرة سخيفة. لم نكن نعرف أنّ هناك أحداً.»
نظر إليها طويلاً. ثمّ سُمع صوت. صوت بعيد لكنّه واضح.
مروحيات.
رفع الجميع رؤوسهم. في السماء، ثلاثة أضواء تقترب بسرعة. صوت المحرّكات يكبر ويكبر.
بدأ الرجال بالركض نحو سياراتهم. القائد ألقى على سراج ولمى نظرة أخيرة مليئة بالوعيد، ثمّ قفز في سيارته.
لكنّ المروحيات كانت أسرع.
هبطت أضواء الكشّافات من السماء كأعمدة من نور، فحاصرت السيارتين الفارّتين. أصوات مكبّرات الصوت تأمر بالتوقف. خلال دقائق، كانت سيارات حرس الحدود تطوّق المنطقة.
---
جلس سراج على الرمل ولمى بجانبه. كانا يرتجفان من البرد والإرهاق والخوف المتأخر الذي يضرب الجسد بعد انتهاء الخطر. ضابط لطيف أعطاهما بطانيات وماءً ساخناً.
«ستكونان في مشكلة كبيرة مع أهلكما،» قال الضابط بابتسامة نصفية.
«نعرف،» قالا معاً.
بعد أسبوعين، وقف سراج أمام لجنة من علماء الآثار في جامعة الملك سعود. دفتر جدّه مفتوح أمامهم. الخريطة الفلكية معروضة على الشاشة. ولمى بجانبه تشرح الإحداثيات النجمية.
العلماء كانوا مذهولين.
«إذا كان ما في هذا الدفتر صحيحاً،» قال البروفيسور الأكبر سنّاً وهو ينظر من فوق نظارته، «فهذا أهمّ اكتشاف أثري في الجزيرة العربية منذ عقود.»
أرسلت الجامعة بعثة رسمية. وتحت حماية الدولة، بدأ التنقيب.
وسراج؟ وقف على حافة الموقع في يوم الافتتاح، يرتدي معطف جدّه البنّي الذي كان أكبر منه بثلاثة مقاسات. الريح تحرّك أطرافه. الشمس تغرب خلف الأعمدة القديمة فتلوّنها بالبرتقالي والأرجواني.
اقتربت منه لمى. «بمَ تفكّر؟»
«أفكّر أنّ جدّي كان محقّاً. الكنز لم يكن ذهباً. كان معرفة. وكان يمكن أن يُسرق ويُباع ويختفي إلى الأبد لو لم...»
«لو لم تكسر ساعة جدّك في منتصف الليل كاللصوص؟» قالت لمى بابتسامة.
ضحك. ثمّ صمت.
لأنّه في تلك اللحظة، وبينما يحملق في الأعمدة البيضاء التي تتوهّج تحت آخر ضوء، لاحظ شيئاً لم يلاحظه أحد من قبل. نقش صغير على العمود الأقرب إليه. ليس بالخطّ الثمودي القديم.
بل بخطّ عربي حديث.
اقترب ومسح الغبار بأصابعه. وقرأ:
«سراج — أعلم أنّك ستأتي. أنتظرك في المدينة الثانية. — جدّك نوّاف.»
وتحتها تاريخ: ١٩ فبراير ١٩٩٠.
أي بعد يوم واحد من آخر تدوينة في الدفتر. اليوم الذي ظنّ فيه سراج أنّ جدّه مات.
نظر إلى العظام في التجويف. ثمّ نظر إلى النقش. ثمّ نظر إلى الصحراء الممتدّة خلف الأعمدة.
وأحسّ بقشعريرة لا علاقة لها بالبرد.
✦الحكمة المستفادة
المعرفة هي أثمن كنوز الإنسان، وحمايتها ومشاركتها مع العالم أنبل من احتكارها أو بيعها، فما ينفع الناس يمكث في الأرض.
قصص مشابهة

خريطة الملح
حين عثر طارق على خريطة منقوشة في قاع إبريق نحاسي عثماني، لم يكن يعلم أنها ستقوده إلى أعماق صحراء الربع الخالي بحثاً عن واحة اختفت قبل ثلاثمئة عام. لكن الصحراء لا تمنح أسرارها إلا لمن يدفع الثمن كاملاً.
الحكمة: ليست الغاية من الرحلة أن تصل إلى ما تبحث عنه، بل أن تصبح — خلال البحث — جديراً بما وجدت. وبعض الكنوز لا تُملَك، بل تُعاش لحظةً ثم تُعاد إلى الريح.

الممر الأخير في جبال الأطلس
حين انزلقت قدم «سامي» على حافة الهاوية، لم يكن يعلم أن الخطر الحقيقي لا ينتظره في الأسفل، بل في الكهف الذي ظنّه ملاذاً آمناً. مغامرة مرعبة في أعماق جبال الأطلس حيث الصمت نفسه يتحوّل إلى عدو.
الحكمة: الشجاعة الحقيقية ليست في أن تواجه الخطر، بل في أن تعرف متى يكون التراجع أنبل من التقدم. وكل مغامرة نخوضها بتهور قد يدفع ثمنها من لا يستحق.

الساعة الأخيرة في مدينة الملح
حين اكتشف "سراج" خريطة جدّه المخبأة في ساعة نحاسية قديمة، لم يكن يعلم أنها ستقوده إلى مدينة منسية تحت الرمال، وأن الوقت ينفد قبل أن تبتلعها الصحراء إلى الأبد. مغامرة تتسارع أحداثها مع كل حبة رمل تسقط في الساعة.
الحكمة: الكنز الحقيقي ليس ما يُخبّأ في صناديق، بل ما يُحفظ في الذاكرة والمعرفة — وإنقاذ تراث الأجداد من النسيان هو أنبل المغامرات وأعظمها.