
سُنونوَّة الألوان وبائع المظلّات
طق طق طق!
ثلاث نقرات سريعة على سطح المظلّة الحمراء أيقظت العمّ سراج من غفوته. فتح عيناً واحدة، ثمّ الأخرى، فرأى فوق مظلّته المفتوحة عصفورة صغيرة بريش أسود لامع وصدر أبيض كقطعة قطن، تميل برأسها يميناً ويساراً وكأنّها تتفحّصه.
«يا سلام! ضيفة لم أدعُها!» قال العمّ سراج بصوته الأجشّ، وابتسامة بطيئة تشقّ طريقها بين تجاعيد وجهه السمراء.
كان العمّ سراج بائع مظلّات. هذا ما يقوله الجميع في حيّ الياسمين. لكنّ الحقيقة التي يعرفها كلّ طفل وكلّ قطّة وكلّ شجرة في الحيّ، هي أنّ العمّ سراج لم يبع مظلّة واحدة منذ سنوات. عربته الخشبيّة القديمة تقف كلّ صباح عند ناصية شارع التوت، مليئة بعشرات المظلّات الملوّنة: حمراء كالرمّان، وزرقاء كالبحر في الصيف، وصفراء كعباد الشمس، وخضراء كأوراق النعناع الطازج. لكنّه لا يبيع. يفتحها واحدة تلو الأخرى كلّ صباح، يرتّبها، يمسح عنها الغبار بمنديله المنقّط، ثمّ يجلس تحت أكبرها ويراقب الناس.
سألته مرّة جارته أمّ ياسر: «يا عمّ سراج، لماذا لا تبيع مظلّاتك؟ الشتاء على الأبواب والناس تحتاجها!»
نظر إليها نظرة طويلة، ثمّ قال وهو يلمس مقبض مظلّة برتقاليّة خشبيّ محفوراً عليه وردة: «هذه ليست للبيع يا أمّ ياسر. هذه... هذه لشيء آخر. لكنّني لم أعرف بعد لأيّ شيء بالضبط.»
هزّت أمّ ياسر رأسها وابتعدت وهي تغمغم: «مسكين العمّ سراج، العمر أتعبه.»
لكنّ السنونوة الصغيرة التي حطّت فوق المظلّة الحمراء في ذلك الصباح البارد من شهر تشرين، لم تكن تظنّ أنّه مسكين أبداً. كانت تنظر إلى الألوان المصطفّة أمامها بعيون لامعة كحبّتي زيتون أسود، وقلبها ينبض بسرعة: واحد... اثنان... ثلاثة... عشر مظلّات... عشرون... ثلاثون مظلّة!
زقزقت بصوت رفيع حادّ: «تشيك تشيك تشيييك!»
ضحك العمّ سراج. كانت ضحكته مثل صوت باب خشبيّ قديم يُفتح ببطء، دافئة وعميقة.
«أراكِ معجبة بالألوان يا صغيرتي. هل تعرفين شيئاً؟ أنا أيضاً. منذ كنتُ في مثل حجمكِ — حسناً، ليس في مثل حجمكِ بالضبط، لكنّني كنتُ صغيراً — وأنا أحبّ الألوان أكثر من أيّ شيء في الدنيا.»
مالت السنونوة برأسها كأنّها تفهم. ثمّ فردت جناحيها فجأة — فرررر! — وطارت. حلّقت فوق عربة المظلّات دائرة كاملة، ثمّ اتّجهت نحو زقاق ضيّق خلف شارع التوت واختفت.
«وداعاً يا ضيفتي القصيرة الزيارة!» لوّح العمّ سراج بيده.
لكنّ السنونوة لم تذهب بعيداً. عادت بعد دقائق، وفي منقارها الصغير خيط أحمر رفيع. حطّت على العربة ووضعت الخيط بجانب المظلّة الحمراء.
نظر إليها العمّ سراج بدهشة.
طارت مرّة أخرى — فرررر! — وعادت بورقة شجر صفراء. وضعتها بجانب المظلّة الصفراء.
ثمّ طارت مرّة ثالثة وعادت بريشة زرقاء صغيرة من عشّ حمامة. وضعتها بجانب المظلّة الزرقاء.
«يا إلهي!» همس العمّ سراج وعيناه تلمعان. «أنتِ تُرتّبين الألوان! أنتِ تفهمين!»
تشيك تشيك تشيييك!
في تلك اللحظة بالذات، مرّت من أمام العربة طفلة اسمها نورة. كانت نورة في السابعة من عمرها، شعرها مجدول في ضفيرتين تتأرجحان خلفها مثل حبلي أرجوحة، وعلى كتفها حقيبة مدرسة خضراء رسمت عليها بنفسها نجوماً بألوان الشمع. لكنّ عينيها كانتا حمراوين في ذلك الصباح، ووجهها عابس كغيمة شتويّة.
توقّفت حين رأت السنونوة تطير بين المظلّات.
«ما الذي تفعله هذه العصفورة؟» سألت بصوت متعجّب.
«تُعلّمني درساً لم أفهمه بعد،» أجاب العمّ سراج. ثمّ لاحظ عينيها. «وأنتِ يا صغيرتي، ما الذي أطفأ النور في عينيكِ هذا الصباح؟ اسمكِ نورة، أليس كذلك؟ النور لا ينبغي أن ينطفئ.»
جلست نورة على حافّة الرصيف بجانب العربة. أخرجت من حقيبتها ورقة مجعّدة وفردتها. كانت رسمة — شجرة كبيرة بألوان كثيرة، وتحتها بيت صغير وحديقة فيها فراشات.
«رسمتُها أمس للمسابقة،» قالت نورة وصوتها يرتجف قليلاً. «لكنّ المعلّمة قالت إنّ الألوان غير واقعيّة. قالت إنّ الأشجار لا تكون بنفسجيّة، والسماء لا تكون ورديّة. قالت أعيدي الرسم بألوان حقيقيّة.»
نظر العمّ سراج إلى الرسمة طويلاً. لمس أطرافها بأصابعه الخشنة بلطف شديد، كأنّه يلمس جناح فراشة.
«هل تعرفين شيئاً يا نورة؟» قال بصوت هادئ. «منذ أربعين سنة، كنتُ أرسم مثلكِ تماماً. كنتُ أرسم البحر أحمر والجبال زرقاء والناس بألوان قوس قزح. وقال لي أبي إنّ هذا كلام فارغ وأنّ عليّ أن أتعلّم حرفة تنفعني.»
«فماذا فعلت؟» سألت نورة وعيناها واسعتان.
«اشتريتُ مظلّات،» قال وأشار إلى عربته. «لأنّ المظلّات هي اللوحات الوحيدة التي يحملها الناس فوق رؤوسهم دون أن يقول أحد: ألوانها غير واقعيّة!»
ضحكت نورة. كانت ضحكة صغيرة مثل فقاعة صابون، لكنّها كانت حقيقيّة.
في تلك اللحظة، فعلت السنونوة شيئاً عجيباً. التقطت بمنقارها خيطاً ملوّناً وطارت به إلى أعلى — فوق العربة، فوق شجرة التوت، فوق أسلاك الكهرباء — ثمّ تركته يسقط. سقط الخيط ببطء، ملتفّاً حول غصن الشجرة، فبدا وكأنّ الشجرة ترتدي وشاحاً ملوّناً.
«انظري!» صاحت نورة. «إنّها تُزيّن الشجرة!»
وهنا خطرت لنورة فكرة. فكرة كبيرة جدّاً. فكرة بحجم ثلاثين مظلّة.
«عمّ سراج!» قالت وهي تقفز واقفة. «ماذا لو فتحنا كلّ المظلّات وعلّقناها فوق الشارع؟ مثل سقف ملوّن! مثل لوحة كبيرة يراها كلّ من يمرّ!»
نظر إليها العمّ سراج. نظر إلى السنونوة. نظر إلى مظلّاته التي لم يبعها قطّ. وفجأة، فهم. فهم لماذا لم يبعها طوال هذه السنوات. كانت تنتظر هذه اللحظة. كانت تنتظر نورة والسنونوة وصباح تشرين هذا.
«يا بنتي،» قال بصوت مبحوح من الفرح، «هذه أعظم فكرة سمعتها منذ أربعين سنة!»
بدأ العمل فوراً. فتح العمّ سراج المظلّات واحدة واحدة: الحمراء — طق! — والزرقاء — طق! — والصفراء — طق طق! — والخضراء والبرتقاليّة والبنفسجيّة والورديّة. ربط نورة كلّ مظلّة بحبل طويل، وساعدها العمّ سراج في تعليقها بين شجرتين على جانبي الشارع.
مرّ صبيّ اسمه كريم كان يركض خلف كرة. توقّف.
«ماذا تفعلون؟» سأل وفمه مفتوح.
«نصنع سماءً جديدة!» قالت نورة.
«أريد أن أساعد!» قال كريم وألقى كرته جانباً.
ثمّ جاءت التوأم هند وهدى من البيت المقابل. كانتا تحملان سلّة فيها خبز، لكنّهما وضعتا السلّة وركضتا للمساعدة. واحدة تمسك الحبل والأخرى تعقد العقدة.
«واحد... اثنان... ثلاثة — شدّي يا هدى!»
«أنا هند!»
«كلّكما شدّا!»
ثمّ جاء أبو رامي الخبّاز من فرنه في آخر الشارع. جاء يمسح يديه بمريلته البيضاء المرشوشة بالطحين، ورائحة الخبز الطازج تملأ المكان. نظر إلى الأعلى ورأى المظلّات المعلّقة.
«سبحان الله!» قال. «الشارع صار يشبه لوحة!»
«هل تساعدنا يا أبا رامي؟» سأل العمّ سراج.
«وهل تحتاج أن تسأل؟» قال أبو رامي. وأحضر سلّماً طويلاً من المخبز.
وقف أبو رامي على السلّم بينما يناوله كريم المظلّات من أسفل. نورة تقف في المنتصف وتقول: «الورديّة بجانب البنفسجيّة — لا لا، الورديّة بجانب الزرقاء أجمل!» كانت عيناها تلمعان الآن مثل نجمتين.
والسنونوة؟ كانت تطير بينهم جميعاً، تدور حول المظلّات وتزقزق بلا توقّف: تشيك تشيك تشيييك! كأنّها قائدة أوركسترا صغيرة.
بحلول الظهيرة، كان شارع التوت قد تحوّل إلى شيء لم يره الحيّ من قبل. ثلاثون مظلّة ملوّنة معلّقة في الهواء فوق الشارع، تتراقص مع النسيم، وأشعّة الشمس تخترقها فتصبغ الأرض ببقع من الضوء الملوّن — أحمر على الرصيف، أزرق على واجهة المخبز، أصفر على شرفة أمّ ياسر.
خرج الناس من بيوتهم. خرجت أمّ ياسر نفسها ووقفت تنظر إلى الأعلى وفمها مفتوح.
«يا عمّ سراج!» قالت. «فهمتُ الآن! هذا هو الشيء الآخر!»
ابتسم العمّ سراج وغمز لنورة.
جاء أطفال من الشوارع المجاورة. جاءوا من شارع الليمون وزقاق السدرة وحارة العين. وقفوا تحت المظلّات المعلّقة ورفعوا رؤوسهم إلى الأعلى.
«أنا أقف تحت اللون الأحمر!» صاح ولد.
«وأنا تحت الأخضر!» صاحت بنت.
«وأنا أريد أن أقف حيث يتقاطع الأزرق مع الأصفر!» قال كريم. «انظروا — يصنعان لوناً أخضر على الأرض!»
نظرت نورة إلى الأطفال وهم يركضون تحت الألوان، يضحكون ويصيحون ويتبادلون الأماكن. نظرت إلى العمّ سراج الذي كان جالساً على كرسيّه القديم وعيناه رطبتان بدموع صامتة وابتسامة عريضة لا تتّسع لها تجاعيده. نظرت إلى السنونوة التي حطّت أخيراً فوق أعلى مظلّة — البنفسجيّة — وكأنّها تتأمّل عملها من فوق.
ثمّ حدث شيء لم تتوقّعه نورة.
جاءت المعلّمة.
نعم، المعلّمة نفسها التي قالت إنّ الأشجار لا تكون بنفسجيّة. كانت تمشي في الشارع وهي تحمل كيساً من الخضار، وحين رأت المظلّات توقّفت.
توقّفت طويلاً.
شعرت نورة بقلبها يدقّ بسرعة: دُق دُق دُق. أرادت أن تختبئ خلف عربة المظلّات. لكنّ العمّ سراج وضع يده الكبيرة الدافئة على كتفها وقال بهدوء: «الألوان لا تحتاج أن تختبئ يا نورة. أبداً.»
اقتربت المعلّمة. نظرت إلى الأعلى. نظرت إلى الألوان المنعكسة على الأرض والجدران والوجوه. نظرت إلى الأطفال وهم يلعبون تحت سماء من المظلّات.
ثمّ نظرت إلى نورة.
«هل هذه فكرتكِ يا نورة؟» سألت.
ابتلعت نورة ريقها. «أنا والعمّ سراج... والسنونوة.»
نظرت المعلّمة إلى السنونوة فوق المظلّة البنفسجيّة. ثمّ فعلت شيئاً لم يتوقّعه أحد.
ضحكت.
ضحكت ضحكة حقيقيّة عالية، وقالت: «أتعرفين يا نورة؟ السماء فوق هذه المظلّات ورديّة الآن من شمس الغروب. والشجرة هناك — انظري — ظلّها بنفسجيّ بالفعل!»
ثمّ انحنت قليلاً حتّى صار وجهها بمستوى وجه نورة، وقالت بصوت خفيض: «أنا آسفة. لم أكن أرى الألوان كما ترينها أنتِ. لكنّني الآن... أظنّني بدأتُ أرى.»
شعرت نورة بشيء دافئ يملأ صدرها، مثل كوب حليب ساخن في صباح بارد. لم تقل شيئاً. فقط ابتسمت.
في ذلك المساء، بعد أن عاد الأطفال إلى بيوتهم وأُضيئت المصابيح في الشرفات، بقي العمّ سراج جالساً تحت مظلّاته المعلّقة. كان الهواء بارداً ورائحته تحمل شيئاً من الياسمين المتأخّر ومن خبز أبي رامي. النجوم تلمع بين فجوات المظلّات.
حطّت السنونوة على كتفه. لأوّل مرّة، لم تحطّ على مظلّة، بل على كتفه هو.
«شكراً يا صغيرتي،» همس لها. «كنتُ أحتاج أربعين سنة لأفهم أنّ الألوان ليست للبيع ولا للتخزين. الألوان للمشاركة.»
تشيك! قالت السنونوة بنقرة واحدة هادئة. ثمّ طوت رأسها تحت جناحها ونامت.
من تلك الليلة، صار شارع التوت أشهر شارع في المدينة. يأتيه الناس من كلّ مكان ليمشوا تحت سماء المظلّات الملوّنة. وصار العمّ سراج يجلس كلّ صباح في مكانه، لكن بدلاً من أن يبيع المظلّات، صار يحكي للأطفال الذين يجتمعون حوله قصصاً عن الألوان — كيف أنّ الأحمر شجاع والأزرق هادئ والأصفر مبتهج والأخضر صبور.
وأمّا نورة، فقد رسمت لوحة جديدة للمسابقة. رسمت شارع التوت بمظلّاته المعلّقة وسنونوة صغيرة تطير فوقها. وجعلت السماء ورديّة والأشجار بنفسجيّة.
وفازت بالجائزة الأولى.
وعلى الجائزة كُتب: «لأنّها رسمت العالم كما تراه، لا كما يقولون إنّه يجب أن يكون.»
وأمّا السنونوة، فبقيت في شارع التوت طوال الشتاء. لم تهاجر مع بقيّة السنونوات إلى الجنوب. ربّما لأنّها وجدت ما يكفي من الدفء بين ثلاثين مظلّة ملوّنة وقلوب أكثر دفئاً.
وإذا مررتَ يوماً بشارع التوت في حيّ الياسمين، ارفع رأسك إلى الأعلى. ستراها هناك — فوق المظلّة البنفسجيّة — تميل برأسها يميناً ويساراً، وكأنّها تقول لك: تشيك تشيك تشيييك!
وهذا يعني، بلغة السنونوات: «العالم أجمل حين نُضيف إليه ألواننا.»
✦الحكمة المستفادة
الألوان الحقيقيّة ليست تلك التي نراها بالعين وحدها، بل تلك التي نجرؤ على مشاركتها مع الآخرين. وما نحتفظ به لأنفسنا يبقى مظلّة مطويّة، لكنّ ما نشاركه يصبح سماءً بأكملها.
قصص مشابهة

مفتاح الألوان السبعة
حين اختفت الألوان من حديقة جدّتها فجأة، لم تجد "نورة" أمامها سوى مفتاح خشبي غريب وخريطة مرسومة بالحبر الفضي. سبعة ألغاز عليها حلّها قبل غروب الشمس، وإلا ستبقى الحديقة رمادية إلى الأبد!
الحكمة: الجمال لا يختفي من العالم، بل يختفي من عيون من يتوقّف عن الانتباه. من يحبّ ما حوله ويتأمّله بعناية كلّ يوم، لن يفقد ألوانه أبداً.

النحلة التي نسيت كيف تطير
حين استيقظت النحلة زُمُرُّدة ذات صباح ووجدت أنها لا تستطيع تحريك جناحيها، ظنّت أن العالم قد انتهى. لكنّ رحلتها سيراً على الأقدام عبر الحديقة الكبيرة كشفت لها عالماً لم تره قطّ من الأعلى، وأصدقاءَ لم تكن لتعرفهم لولا أنها توقّفت عن الطيران.
الحكمة: ما نظنّه عجزاً قد يكون نافذة على عالم لم نكن لنراه لولا أن توقّفنا. فالبطء ليس ضعفاً، والتوقّف ليس نهاية، بل هو فرصة لنكتشف جمالاً كان مختبئاً تحت أقدامنا طوال الوقت.

سفينة النجوم وبحّار القمر الصغير
حين يجد مروان سفينة صغيرة مصنوعة من ضوء القمر على شرفة بيته، لا يعلم أنها ستحمله في رحلة عبر سبعة بحار سحرية، حيث الأسماك تغني والجزر تطير. لكن المفاجأة الكبرى تنتظره في البحر الأخير!
الحكمة: أعظم كنز في الحياة ليس في البحار البعيدة ولا في القصور المتلألئة، بل في دفء البيت وحب العائلة الذي ينتظرك دائماً مهما ابتعدت.