
الرسالة التي وصلت بعد أربعين عاماً
خلف الدرج الثالث في مكتب بريد وسط البلد بعمّان، حيث تتقشّر طبقات الطلاء الأخضر كأنها تحاول أن تحكي عمرها، عثر الموظف باسم الطراونة على ظرف أصفر التهم الزمنُ أطرافه.
كان ذلك في شتاء 2023، حين قررت إدارة البريد تجديد المبنى العثماني. رفع باسم الدرج الخشبي المكسور، فسقط الظرف على بلاط الأرضية المشقّق كأنه سقط من جيب الزمن نفسه. طابعٌ بعشرين فلساً، وتاريخ: 14 تشرين الأول 1983، والعنوان بخطّ مرتجف: «إلى السيد حسن نمر المصري — إربد، حيّ الجامعة القديم».
فتح باسم الظرف بحذر جرّاح. ورقة واحدة، بخطّ امرأة واضح كنبض:
«حسن، لن أطيل. أبي وافق أخيراً. قال: إن جاء قبل نهاية الشهر وطلبني، فهي له. أنا أنتظرك يوم الجمعة عند باب المسجد الحسيني بعد صلاة الظهر. لا تتأخر. أرجوك لا تتأخر. نوال.»
استغرق باسم ثلاثة أسابيع ليجد حسن نمر المصري. رجلٌ في الثالثة والستين، يدير محلّ بقالة صغيراً في إربد، شعره أبيض كالملح، وفي عينيه شيء مكسور لم يُجبَر يوماً.
حين مدّ باسم الظرف إليه، حدّق حسن في الخط طويلاً قبل أن يلمسه. ثم قرأ الرسالة واقفاً خلف طاولة المحاسبة، بين أكياس الأرز وعلب التونة.
لم يبكِ فوراً. رفع رأسه وسأل بصوت جافّ كحجر: «هل تعرف أين نوال الآن؟»
لم يكن باسم يعرف. لكنّ حسن عرف. قال وهو يطوي الرسالة ببطء مؤلم: «تزوّجتْ ابنَ عمّها في كانون الثاني 1984. ظنّت أنني لم أردّ. وأنا ظننتُ أنها لم ترسل شيئاً أصلاً.»
ثمّ فتح درج المحاسبة — الدرج الذي يفتحه كلّ يوم منذ أربعين عاماً — وأخرج ظرفاً أبيض مختوماً لم يُرسَل قط. مدّه لباسم بيدٍ ترتجف: «اقرأ.»
فتحه باسم. ورقة واحدة، بخطّ رجل:
«نوال، لن أطيل. أمي وافقت أخيراً. سأكون يوم الجمعة عند باب المسجد الحسيني بعد صلاة الظهر. لا أعرف إن كنتِ ستأتين. لكنني سأكون هناك.»
التاريخ: 14 تشرين الأول 1983.
الرسالتان كُتبتا في اليوم نفسه. واحدة علقت خلف درج، والأخرى علقت خلف خوف.
سأل باسم بصوتٍ مخنوق: «لماذا لم ترسلها؟»
نظر حسن إلى علب التونة المصفوفة كأنه يعدّ السنوات لا العلب، ثمّ قال: «خفتُ أن تقول لا. وكان الانتظار أرحم من الرفض.»
صمتَ لحظة، ثمّ أضاف وهو يغلق الدرج للمرة الأخيرة: «اتّضح أنّ الانتظار لم يكن أرحم من أيّ شيء.»
✦الحكمة المستفادة
الخوف من الرفض لا يحمينا من الخسارة — بل يجعلنا نخسر مرّتين: مرّة حين لا نحاول، ومرّة كلّ يوم حين نتذكّر أننا لم نفعل.
قصص مشابهة

الطبيب الذي لم يعد من عيادته
في حيّ الميدان بدمشق، اختفى طبيب عجوز ذات مساء ولم يعثر عليه أحد. لكن ما وجدوه في درج مكتبه كان أغرب من الاختفاء نفسه.
الحكمة: الخير الحقيقي لا يبحث عن شاهد ولا يحتاج إلى تصفيق؛ إنه الفعل الذي يكتمل معناه حين لا يعرف به أحد.

ثلاثة أمتار فوق سطح العالم
على قمة جبل طوبقال، أعلى قمم شمال أفريقيا، وقف فتى مغربي بساق واحدة وعكّاز مكسور، بينما المتسلقون المحترفون يلهثون خلفه. هذه ليست أسطورة — بل قصة حقيقية حدثت في صيف 2019.
الحكمة: ليست العوائق هي التي تحدد مسارنا، بل الخطوة التي نقرر أن نخطوها رغم كل العوائق — فالقمم لا تسأل كم ساقاً لديك، بل كم إصراراً تحمل في قلبك.

حقيبة الذهب الغامضة
قصة حقيقية مؤثرة عن طفل فقير يجد حقيبة مليئة بالذهب، لكن قراره النهائي يغير حياته ويعلمه معنى السعادة الحقيقية.
الحكمة: السعادة الحقيقية والدائمة تكمن في عطائنا للآخرين وليس فيما نحصل عليه لأنفسنا، فعندما نشارك خيرنا مع المحتاجين نجد فرحة لا تُقدر بثمن.