
الساعة التي تدور إلى الخلف
الفصل الأول: رائحة النحاس والندم
لم تكن أصابعه ترتجف من الشيخوخة، بل من فرط الدقة، كمن يخيط جرحاً في جناح فراشة.
جلس نعمان الحرفيّ خلف طاولته المحدّبة الظهر — تلك الطاولة التي ورثها عن أبيه، وورثها أبوه عن جدّه، حتى بات سطحها أملسَ كراحة يدٍ غسلتها السنون — وأمسك بالملقط ذي الرأس المعقوف، يضع التُّرسَ الأخير في مكانه. كان الترس أصغر من حبّة عدس، لامعاً كعين سمكة ميتة، وكان عليه أن يستقرّ في محجره بدقة لا تحتمل خطأ شعرة واحدة.
الورشة كانت غرفة واحدة في آخر زقاق قرية "المِيزاب"، تلك القرية المعلّقة على كتف جبل أخضر في الشمال السوري، حيث يمرّ الضباب كلّ صباح كأنه شبح عجوز يتفقّد بيوتاً هجرها أهلها. رائحة المكان كانت خليطاً عجيباً: نحاسٌ محترق، وزيت ماكينات، وقهوة باردة نسيها في فنجان منذ يومين، وعرق يابس على قميص لم يبدّله منذ ثلاثة أيام. على الجدران، عُلّقت مئة ساعة أو يزيد — ساعات حائط بأشكال دائرية ومربّعة ومسدّسة، ساعات جيب بسلاسل ذهبية وفضية، ساعات منبّهة بأجراس صدئة — وكلها تدقّ في آنٍ واحد، فيصبح الزمن في تلك الغرفة سيمفونية مجنونة لا قائد لها.
لكن الساعة التي بين يديه الآن لم تكن كأيّ ساعة صنعها من قبل.
عقاربها تدور إلى الخلف.
لم يصنعها عبثاً. ولم يصنعها لأنّ أحداً طلبها. صنعها لأنّ زوجته وردة — تلك المرأة التي كانت تضحك فتمتلئ الغرفة برائحة الياسمين، هكذا كان يقسم لكلّ من يسأله — رحلت قبل ثلاث سنوات. رحلت في صباح عاديّ، بعد أن سكبت له قهوته وقالت: "لا تنسَ أن تأكل، يا نعمان، أنت تأكل الزمن ولا تأكل الخبز". ثم سعلت. ثم سعلت أكثر. ثم لم تتوقف عن السعال حتى حملتها سيارة الإسعاف الصفراء التي وصلت متأخرة ساعة كاملة بسبب ضيق الطريق الجبلي. ساعة كاملة. ستون دقيقة. ثلاثة آلاف وستمئة ثانية. كلّ ثانية منها كانت تسرق منها نَفَساً.
منذ ذلك اليوم، صار نعمان يسمع الساعات تدقّ بطريقة مختلفة. لم تعد تقول "تِك تِك" بل صارت تقول "فات... فات... فات...". فقرّر أن يصنع ساعة تُرجع الزمن، لا لأنه يؤمن بإمكان ذلك، بل لأنه أراد أن يرى عقارب تركض في الاتجاه المعاكس، كأنها تجري نحو وردة، لا بعيداً عنها.
وضع الترس الأخير. أغلق الغطاء الخلفي بمفكّ دقيق. رفع الساعة أمام عينيه.
بدأت العقارب تدور. إلى الخلف. بهدوء. بثقة. كأنها تعرف طريقها.
ابتسم نعمان لأول مرة منذ ثلاث سنوات. ثم وضع الساعة على الطاولة، وبكى.
---
الفصل الثاني: الطرقة الأولى
من يصنع شيئاً غريباً في قرية صغيرة، لا يحتاج إلى إعلان. الخبر ينتقل كالريح بين البيوت المتلاصقة، يدخل من النوافذ المفتوحة ويخرج من الأبواب الموارَبة.
بعد أسبوع واحد، وقف رجل أمام باب الورشة. كان طويلاً، عريض المنكبين، يرتدي معطفاً رمادياً لا يناسب حرارة أيلول، وفي يده عصا مشي لم يكن يحتاجها — كان يحملها كما يحمل الأثرياء إكسسواراتهم، للزينة لا للحاجة.
"أنت نعمان الحرفيّ؟" سأل الرجل من عتبة الباب، وصوته كان غليظاً كأنه يصعد من بئر.
"من يسأل؟" أجاب نعمان دون أن يرفع رأسه عن ساعة كان يصلحها.
"اسمي سليم بركات. تاجر من حلب." دخل الرجل دون دعوة، وجلس على الكرسي المقابل لنعمان، فصرّ الكرسي تحت ثقله كأنه يستغيث. نظر حوله في الورشة بعينين سريعتين تحصيان كلّ شيء، كعينَي تاجر يُقيّم بضاعة. ثم أسند ذقنه على مقبض عصاه وقال: "سمعتُ أنك صنعتَ ساعة تدور إلى الخلف."
"صنعتُ ساعة. وعقاربها تدور إلى الخلف. هذا كلّ ما في الأمر."
"لا. ليس هذا كلّ ما في الأمر." مال سليم إلى الأمام، وخفض صوته كمن يُفشي سرّاً: "سمعتُ أنها تُرجع الزمن."
ضحك نعمان. ضحكة جافة قصيرة، كصوت ترس يدور فارغاً. "من أخبرك بهذا الهراء؟"
"الناس."
"الناس يقولون إنّ الجنّ يسكنون البئر القديمة خلف المسجد. هل صدّقتَ ذلك أيضاً؟"
لم يبتسم سليم. فتح محفظته الجلدية السوداء وأخرج رزمة أوراق نقدية سميكة كقطعة حلوى، ووضعها على الطاولة بين تروس الساعات وبرادة النحاس.
"أريد أن أشتريها."
نظر نعمان إلى المال. ثم نظر إلى سليم. ثم نظر إلى الساعة المعلّقة على الحائط خلفه — ساعته الخاصة، تلك التي تدور إلى الخلف.
"لماذا؟" سأل نعمان.
ابتلع سليم ريقه. وللمرة الأولى، بدا وجهه الصلب كأنه يتصدّع. "لأنني أملك كلّ شيء. مصانع وعقارات وسيارات وأرصدة في بنوك لا أتذكّر أسماءها. لكنّ شيئاً واحداً لا أملكه."
"ما هو؟"
"الأمس." قالها سليم، وعيناه تلمعان بشيء يشبه الجوع. "خسرتُ ابني. قبل عشر سنوات. لم يمت — هذا أهون — بل غادر. غادر لأنني قلتُ له إنه فاشل. قلتُ له إنّ أحلامه في الرسم والفن سخافة. قلتُ له إنّ الرجل الحقيقي يبني مصنعاً لا يرسم لوحة. فحمل حقيبته ورحل. ولم أره منذ ذلك اليوم. لم يردّ على اتصال واحد. حذفني من حياته كما يحذف المرء ملفاً تالفاً من حاسوبه."
صمت ملأ الورشة. حتى الساعات المئة بدت وكأنها خفّضت صوتها.
قال نعمان بهدوء: "الساعة لا تُرجع الزمن يا سيّد سليم. إنها مجرّد تروس ونحاس وزجاج."
"أعرف. لكنني أريدها."
"لماذا؟"
"لأنني أريد أن أنظر إلى عقاربها وهي تعود. أريد أن أتخيّل أنّ هناك اتجاهاً آخر للزمن. أنّ الأمس ليس محكوماً بالإعدام."
فكّر نعمان طويلاً. ثم قال: "لن أبيعك الساعة. لكنني سأصنع لك واحدة."
"متى؟"
"عُد بعد أسبوع."
وقف سليم. ترك المال على الطاولة. وخرج.
---
الفصل الثالث: سبعة أيام إلى الخلف
عاد سليم بعد أسبوع. لكنه لم يكن وحده.
خلفه وقفت امرأة في الخمسين، ترتدي ثوباً أسود وتلفّ رأسها بمنديل أبيض مطرّز بخيوط زرقاء. كان وجهها جميلاً جمالاً قاسياً، كصخرة نحتها الماء والريح فصار لها ملامح. عرّفت عن نفسها: هناء المعلّمة، مديرة المدرسة الابتدائية في القرية المجاورة. كانت قد سمعت عن الساعة من ابنة أختها التي تزوّجت حلّاقاً في الميزاب.
وخلف هناء وقف شاب في العشرينات، نحيل كغصن خريفي، بشعر طويل مربوط إلى الخلف ونظارة مستديرة تبدو أكبر من وجهه. قال إن اسمه باسل، وإنه شاعر — أو يحاول أن يكون شاعراً — وإنه جاء من اللاذقية بعد أن قرأ عن الساعة في منشور على وسائل التواصل.
جلس الثلاثة أمام نعمان. وعلى الطاولة بينهم ثلاث ساعات: واحدة لسليم، وواحدة لهناء، وواحدة لباسل. كلّها تدور إلى الخلف.
قال نعمان وهو يدفع الساعات نحوهم: "قبل أن تأخذوها، يجب أن أخبركم بشيء."
انتظروا.
"هذه الساعات لا تُرجع الزمن. من يقول غير ذلك كاذب أو مجنون."
قالت هناء بصوتها الحادّ كطباشير على سبّورة: "نعرف."
"لكنها تفعل شيئاً آخر." أكمل نعمان، وأشار إلى ساعته المعلّقة على الحائط. "حين تنظر إليها كلّ يوم، وترى العقارب تعود، يبدأ شيء يتغيّر في رأسك. لا تسألني ما هو. لا أعرف كيف أسمّيه. لكنك تبدأ في رؤية الأشياء من الاتجاه المعاكس."
"ماذا تعني؟" سأل باسل، وأخرج دفتراً صغيراً بدأ يكتب فيه.
"أعني أنك بدل أن تسأل 'ماذا سيحدث غداً؟' تبدأ في سؤال 'ماذا حدث بالأمس حقاً؟ وهل فهمتُه كما ينبغي؟'"
أخذ كلّ واحد منهم ساعته ورحل.
---
الفصل الرابع: هناء والسبّورة الممحوّة
بعد شهر، عادت هناء.
جلست على الكرسي الصارخ نفسه، ووضعت الساعة على الطاولة. كانت تبدو مختلفة. ليس في ملامحها — ظلّت الصخرة المنحوتة نفسها — لكن في عينيها. كان فيهما شيء رطب، ليّن، كأنّ حجراً أزيح عن نبع.
قالت دون مقدّمات: "صنعتَ لي مشكلة يا نعمان."
رفع حاجبيه.
"كنتُ أنظر إلى الساعة كلّ ليلة قبل النوم. وأتابع العقارب وهي تعود. في البداية لم يحدث شيء. ثم في الليلة السابعة، وجدتُ نفسي أتذكّر تلميذاً كان عندي قبل خمس عشرة سنة. اسمه مروان. طفل ساكت، خجول، يجلس في الصفّ الأخير ويرسم على دفتره بدل أن يكتب. وكنتُ... كنتُ..."
توقّفت. بلعت شيئاً مُرّاً.
"كنتُ أصرخ فيه. كلّ يوم. أمام الصف. أقول له: أنت لا تنفع لشيء. أمسك دفتره مرة ومزّقت صفحة رسمها عليها طائراً. طائراً جميلاً بخطوط بسيطة. ومزّقتُه."
قال نعمان: "كنتِ تظنّين أنكِ تساعدينه."
"هذا ما كنتُ أقوله لنفسي. لكنني لم أكن أساعده. كنتُ أُفرغ فيه غضبي من حياتي. من زوج لا يراني. من راتب لا يكفي. من أحلام ماتت قبل أن تُولد. كان مروان هو الأضعف في الغرفة، فصار هو الوعاء الذي أسكب فيه مرارتي."
صمتت. ثم قالت: "بعد تلك الليلة، بدأتُ أتذكّر أطفالاً آخرين. عشرات. وجوه صغيرة نظرت إليّ بخوف. أنا التي كان يجب أن أكون ملاذهم، صرتُ سبب رعبهم."
"وماذا فعلتِ؟" سأل نعمان.
مسحت عينها بطرف منديلها. "بحثتُ عن مروان. وجدته. صار رجلاً في الثلاثين. يعمل في ورشة حدادة. لم يُكمل دراسته. حين رآني، تجمّد في مكانه كأنه عاد طفلاً في الصفّ الأخير. فقلتُ له... قلتُ له إنني أعتذر. وإنّ الطائر الذي رسمه كان جميلاً. وإنني أنا التي لم تنفع لشيء ذلك اليوم."
"وماذا قال؟"
"لم يقل شيئاً. بكى. ثم أخرج من جيبه محفظته، وفتحها، وأراني نصف صفحة ممزّقة، عليها نصف طائر. كان يحتفظ بها منذ خمس عشرة سنة."
أحسّ نعمان بشيء يعتصر صدره. مدّ يده وأعاد الساعة نحوها.
"أبقيها عندكِ."
"لكنها لم تُرجع الزمن."
"لا. لكنها أرجعتكِ إلى نفسكِ."
---
الفصل الخامس: سليم والباب المغلق
جاء سليم بعد شهرين. لكنه لم يكن الرجل نفسه. المعطف الرمادي اختفى. العصا اختفت. وكأنّ شيئاً ذاب من حوله — ليس وزنه فحسب، بل طبقة كاملة من الصلابة التي كان يتدرّع بها.
جلس وقال: "وجدته."
"ابنك؟"
"نعم. في برلين. يعمل رسّاماً. له معرض صغير في حيّ قديم. يبيع لوحاته لسيّاح ومقاهٍ. لا يكسب كثيراً، لكنّ وجهه في الصور التي رأيتُها على الإنترنت... وجهه كان مضيئاً. كان وجه رجل يعرف لماذا يستيقظ كلّ صباح."
سكت لحظة. ثم أكمل بصوت مبحوح: "أنا لا أعرف لماذا أستيقظ كلّ صباح يا نعمان. أملك كلّ شيء ولا أعرف لماذا أستيقظ."
"هل كلّمته؟"
"أرسلتُ له رسالة. طويلة. كتبتُها ومحوتُها سبع مرات. في النهاية كتبتُ شيئاً بسيطاً: 'كنتُ مخطئاً. أنت لست فاشلاً. الفاشل هو من لا يرى جمال ما يصنعه ابنه. سامحني إن استطعت. وإن لم تستطع، فأنا أفهم.'"
"وهل ردّ؟"
ابتسم سليم ابتسامة مؤلمة. "لا. لم يردّ. ربما لن يردّ أبداً. لكنني... لأول مرة في حياتي أشعر أنني قلتُ الحقيقة. لأول مرة لم أختبئ خلف نجاحي وأموالي وأعمالي. وقفتُ عارياً أمام ابني واعترفتُ أنني كنتُ أحمق."
قال نعمان: "الاعتراف بالخطأ لا يمحوه."
"أعرف. لكنه يوقف نزيفه."
نظر سليم إلى الساعة في يده. "لم تُرجعه إليّ. لكنها أرجعتني إلى اللحظة التي أخطأتُ فيها. وأرتني إيّاها بوضوح لم أكن أملكه. كنتُ أتذكّر ذلك اليوم دائماً وأقول: 'هو الذي بالغ في ردّة فعله.' الآن أتذكّره وأقول: 'أنا الذي حطّم شيئاً لم يكن يحقّ لي أن ألمسه.'"
وقف. ترك الساعة على الطاولة. قال: "لم أعد أحتاجها. صار الترس الذي كسرتَه في داخلي يدور من تلقاء نفسه."
---
الفصل السادس: باسل والقصيدة المستحيلة
باسل لم يعد بعد شهر أو شهرين. عاد بعد أربعة أشهر. وحين عاد، لم يكن يحمل دفتره الصغير. كان يحمل رزمة أوراق سميكة ومعصوبة بخيط.
جلس، ووضع الرزمة على الطاولة، وقال بصوت هادئ تغيّر عمّا كان: "أريد أن أقرأ لك شيئاً."
"اقرأ."
فتح باسل الرزمة. لم تكن قصائد. كانت رسائل. عشرات الرسائل. بخطّ يد مختلف.
"هذه رسائل أبي إلى أمي. وجدتُها في صندوق قديم تحت سريرهما بعد أن مات أبي. أبي الذي كنتُ أظنّه رجلاً جافّاً لا يعرف الحبّ. أبي الذي لم أسمعه يقول لأمي كلمة حلوة واحدة طوال حياته."
مسك إحدى الرسائل ورفعها. الورقة كانت صفراء، هشّة، كأنها جلد ثعبان مسلوخ.
"اسمع هذه. كتبها قبل زواجهما بشهر: 'يا سعاد، أنا لا أعرف كيف أقول ما في صدري. فمي قفل صدئ لا يملك أحد مفتاحه. لكنّ يدي تعرف. فاقرئي ما تكتب يدي، لأنها أصدق من لساني. أنا أحبّكِ حبّاً يُخيفني. أحبّكِ كما يحبّ الغريق الهواء. وأخاف أن أفقدكِ كما يخاف الأعمى أن يفقد يد من يقوده.'"
صمت باسل. ثم قال: "عشتُ ثلاثين سنة أظنّ أنّ أبي حجر. أظنّ أنه تزوّج أمي بالإكراه أو العادة. أظنّ أنّ البيت الذي نشأتُ فيه كان بلا حبّ. فكتبتُ قصائد عن الجفاف والقسوة والآباء الذين لا يعرفون أبناءهم. وكلّها كانت... كذباً."
"لم تكن كذباً. كانت نصف الحقيقة." قال نعمان.
"نصف الحقيقة أسوأ من الكذب يا نعمان. الكذب تستطيع أن تكشفه. أما نصف الحقيقة فيتنكّر في ثوب الصدق ويخدعك إلى الأبد."
"وما علاقة الساعة بكلّ هذا؟"
ابتسم باسل. "حين كنتُ أنظر إلى عقاربها وهي تعود، بدأتُ أعيد تشغيل ذكرياتي. ليس كما أتذكّرها أنا، بل كما حدثت فعلاً. رأيتُ أبي يجلس في الليل وحده في المطبخ، يمسك فنجان شاي بيدين مرتجفتين، ويبكي بصمت. كنتُ طفلاً وقتها، ورأيته من شقّ الباب، لكنني دفنتُ تلك الذكرى لأنها لا تناسب الصورة التي رسمتُها له. رأيتُ أيضاً يده وهي تمسح شعري وأنا نائم — لم يكن يعرف أنني أتظاهر بالنوم. رأيتُ أشياء كثيرة أخفيتُها عن نفسي لأنها كانت ستُفسد قصّتي."
قال نعمان ببطء: "نحن لا نتذكّر ما حدث. نتذكّر ما نريد أن نصدّقه."
"بالضبط. والساعة التي تدور إلى الخلف لا تُرجع الزمن. إنها تُرجعك إلى الحقيقة التي هربتَ منها."
---
الفصل السابع: الزائر الرابع
لم يتوقّع نعمان أن يأتيه زائر رابع. لكنه جاء.
في ليلة ماطرة من كانون الأول، حين كان الضباب كثيفاً حتى إنّ الجبل نفسه بدا كأنه اختفى، طُرق الباب ثلاث طرقات بطيئة.
فتح نعمان.
وقف أمامه شاب في العشرينات. وجهه مبلّل بالمطر، أو بالدموع، أو بالاثنين. كان يرتدي جاكيت جلدياً أسود مبلّلاً ويحمل حقيبة ظهر رثّة. على يده اليسرى وشم صغير: طائر.
"أنا مروان" قال الشاب.
احتاج نعمان لحظة ليفهم. ثم فهم.
مروان. تلميذ هناء. صاحب الطائر الممزّق.
"تفضّل."
دخل مروان. نظر حوله في الورشة بعينين واسعتين. مئة ساعة تدقّ. رائحة النحاس والقهوة الباردة. ضوء المصباح الأصفر يرسم ظلالاً طويلة على الجدران.
"المعلّمة هناء أخبرتني عنك" قال مروان وهو يجلس. "أخبرتني عن الساعة."
"ماذا تريد منها؟"
مسح مروان وجهه بكمّه. "لا أريد ساعة. أريد أن أفهم شيئاً."
"ما هو؟"
"حين جاءتني المعلّمة هناء واعتذرت... شعرتُ بشيء لم أتوقّعه. لم أشعر بالراحة. لم أشعر بالانتصار. شعرتُ بالغضب. غضب عارم. لأنها لو كانت تعرف أنها أخطأت، فلماذا انتظرت خمس عشرة سنة؟ لماذا تركتني أحمل نصف طائر ممزّق في محفظتي كجرح لا يُشفى؟ لماذا لم تتراجع في اليوم التالي، أو الأسبوع التالي، أو السنة التالية؟"
كان صوته يرتفع. يداه ترتجفان.
قال نعمان بهدوء: "هل تعرف لماذا صنعتُ أوّل ساعة تدور إلى الخلف؟"
"قالوا لي. بسبب زوجتك."
"نعم. لكنّ ما لم أقله لأحد هو أنني في صباح ذلك اليوم — صباح رحيلها — كنتُ غاضباً منها. لأنها أيقظتني باكراً. لأنّ قهوتها كانت بلا سكّر. لأنها طلبت مني أن أصلح صنبور المطبخ للمرة العاشرة. فلم أقل لها صباح الخير. لم أنظر إليها. لم أشكرها على القهوة. آخر كلمة قلتُها لها كانت: 'اتركيني وشأني.'"
توقّف نعمان. عيناه جافّتان — كان قد بكى كلّ ما فيه من دموع منذ سنوات.
"'اتركيني وشأني.' هذا آخر ما سمعته منّي. ثم سعلت. ثم رحلت. وتركتني وشأني فعلاً. إلى الأبد."
صمت ثقيل.
ثم قال نعمان: "أنا لا أملك ساعة تُرجع الزمن يا مروان. لو كنتُ أملكها، لرجعتُ إلى ذلك الصباح وقلتُ لها: شكراً على القهوة يا وردة. شكراً على ثلاثين سنة من القهوة. أحبّكِ. لكنني لا أملكها. وهي لا تملكها. ولا أحد يملكها."
"إذن ما الفائدة؟" سأل مروان، وصوته ينكسر.
"الفائدة أنّ الساعة التي تدور إلى الخلف لا تُعيد الأمس. إنها تجعلك تفهمه. والفهم لا يمحو الألم، لكنه يحوّله من سُمّ إلى دواء."
"كيف؟"
"اسمع. أنتَ غاضب من هناء لأنها تأخّرت خمس عشرة سنة. وأنت محقّ. لكن اسأل نفسك: كم شخصاً آذيتَ أنت — ولو بكلمة، أو بصمت، أو بنظرة — ولم تعتذر بعد؟"
فتح مروان فمه ليجيب. ثم أغلقه. ثم فتحه مرة أخرى. ثم أغلقه.
قال نعمان: "كلّنا نحمل ساعات تدور إلى الأمام ونظنّ أنّ الوقت أمامنا لا خلفنا. فنؤجّل الاعتذار. ونؤجّل الحبّ. ونؤجّل الحقيقة. حتى نستيقظ يوماً ونجد أنّ من أردنا أن نقول لهم شيئاً قد رحلوا. عندها نريد ساعة تدور إلى الخلف. لكنّ الأوان يكون قد فات."
نظر مروان إلى وشم الطائر على يده.
"أنا... لم أكلّم أبي منذ ثلاث سنوات. بسبب خلاف تافه. على ميراث. على أرض لا تساوي ثمن هذه الساعة."
قال نعمان: "أتعرف ما الفرق بينك وبين هناء وسليم؟"
"ما هو؟"
"هما جاءا يبحثان عن الأمس. أنت جئتَ وأمسك لا يزال في يدك. أبوك حيّ. والهاتف في جيبك. والكلمة التي تحتاج أن تقولها لا تحتاج ساعة تدور إلى الخلف. تحتاج فقط أن تفتح فمك الآن. الآن. لا غداً."
أخرج مروان هاتفه. نظر إلى الشاشة. اسم أبيه كان هناك، في قائمة الاتصال، مدفوناً تحت أسماء عشرين شخصاً لا يعرف نصفهم.
ضغط على الاسم.
رنّ الهاتف مرة. مرتين. ثلاثاً.
ثم ردّ صوت مبحوح، متردّد، كصوت رجل لم يصدّق أنّ الهاتف يرنّ: "مروان؟... مروان، هذا أنت؟"
وقال مروان بصوت مخنوق: "أنا يا بابا. أنا."
وقف نعمان بهدوء وخرج من الورشة. أغلق الباب خلفه. وقف في الزقاق تحت المطر. ورفع رأسه نحو السماء.
كان الضباب قد انحسر قليلاً، وظهر قمر نحيل كمنجل فضّي يحصد الغيوم. سمع من داخل الورشة صوت مروان يبكي ويضحك في آنٍ واحد، وصوت أبيه يقول شيئاً لا يستطيع تمييزه لكنه يعرف — يعرف بيقين الحرفيّ الذي يفهم التروس — أنه شيء كان يجب أن يُقال منذ زمن.
---
الفصل الثامن: الدائرة
مرّت ستة أشهر.
في صباح من أيار، حيث كانت القرية تغرق في أزهار اللوز البيضاء التي تتطاير كثلج دافئ، جلس نعمان خلف طاولته المحدّبة الظهر. أمامه ساعة جديدة. بتروس دقيقة وعقارب رفيعة وزجاج صافٍ.
لكنّ هذه الساعة كانت مختلفة عن كلّ ما صنع.
عقاربها كانت تدور إلى الأمام.
رفعها أمام عينيه. تأمّلها. ابتسم.
ثم وضعها على الحائط، بجانب ساعته القديمة التي تدور إلى الخلف.
ساعتان. واحدة تعود. وواحدة تتقدّم. وبينهما، على الجدار، صورة بالأبيض والأسود لوردة، تضحك.
دقّت الساعات المئة في آنٍ واحد. سيمفونية مجنونة لا قائد لها. لكنّ نعمان، لأوّل مرة، سمع فيها لحناً.
لم يكن اللحن يقول "فات" ولا يقول "غداً". كان يقول شيئاً أبسط. أصعب. أصدق.
كان يقول: "الآن."
مدّ يده إلى فنجان القهوة الذي سكبه لنفسه هذا الصباح. شربها. كانت ساخنة ومُرّة وبلا سكّر — كما كانت تصنعها وردة. وللمرة الأولى، لم يشعر بالغضب من غياب السكّر. بل شعر بشيء آخر.
شعر بالشكر.
شكراً على القهوة. شكراً على المرارة. شكراً على الثلاثين سنة. شكراً على كلّ ساعة مرّت ولن تعود.
ثم عاد إلى طاولته. أمسك بالملقط ذي الرأس المعقوف. وبدأ يصنع ساعة جديدة.
لم تكن أصابعه ترتجف من الشيخوخة، بل من فرط الدقة، كمن يخيط جرحاً في جناح فراشة.
وعلى الجدار، دارت عقارب الساعتين: واحدة إلى الخلف، وواحدة إلى الأمام.
وبينهما، كان الزمن الحقيقيّ يقف ساكناً، صامتاً، ينتظر من يفهمه.
✦الحكمة المستفادة
ليست الحكمة في أن تملك القدرة على إرجاع الزمن، بل في أن تفهم ما مضى فهماً يُحرّرك من أسره، وأن تقول كلمتك الآن — لا غداً — لأنّ الغد وعدٌ لا ضمانة له، والندم ساعة تدور إلى الخلف بلا عقارب.
قصص مشابهة

الخبّاز الذي أطعم الريح
حين قرّر سعيد أن يخبز أرغفة لكل عابر سبيل، لم يكن يعلم أن رغيفاً واحداً ضائعاً في الريح سيقوده إلى أغرب درسٍ تعلّمه في حياته. قصة عن الكرم الذي يعود من حيث لا نحتسب، وعن خبزٍ لم يضِع أبداً.
الحكمة: ما نمنحه بسخاءٍ لا يضيع في الريح أبداً، بل يدور في الدنيا حتى يعود إلينا بصورةٍ لم نكن نتخيّلها — فكل رغيفٍ تطلقه بلا حساب، يحسبه الكون لك.

الميزان الذي لا يكذب
في سوق تتصارع فيه الأصوات والروائح، يكتشف فتى اسمه وائل أن الميزان القديم في دكان جده لا يزن البضائع فحسب، بل يزن شيئاً آخر لم يكن يتوقعه أحد. قصة عن الأمانة حين لا يراك أحد، وعن الثمن الحقيقي للأشياء.
الحكمة: الأمانة ليست اختياراً نتخذه حين يرانا الناس، بل هي الاختبار الحقيقي حين لا يرانا أحد. وما نرفض أن نأخذه بالباطل يظل أثمن مما نملكه بالحق، لأنه يصنع فينا ميزاناً داخلياً لا تميل كفّته أبداً.

سالم والغابة الغامضة - قصة قصيرة عن الشجاعة والاستكشاف
قصة سالم الصغير الذي اكتشف أن الخوف من المجهول قد يحرمنا من أجمل الاكتشافات والمغامرات في الحياة.
الحكمة: الشجاعة في مواجهة المجهول تفتح لنا أبواب الاكتشافات الجميلة والتجارب الرائعة التي تثري حياتنا وتجعلنا أكثر ثقة بأنفسنا.