
الطبيب الذي لم يعد من عيادته
بقلم: فريق تحرير قصص قصيرة
آخر تحديث: ٢٨ يوليو ٢٠٢٦
نص أصلي راجعه محرر بشري لغوياً وتحقق من مناسبته للفئة العمرية قبل النشر. منهجية التحرير
الدرج الأخير في خزانة الدكتور وجيه سلطان لم يُفتح منذ سبعة عشر عاماً.
عرف ذلك جاره أبو خليل، الذي كان يمسح بلاط العيادة كل صباح مقابل كشفية مجانية لأولاده الخمسة. عرفه لأنه كان الوحيد الذي رأى الدكتور وجيه يقفل ذلك الدرج بمفتاح نحاسي صغير، ثم يدسّه في بطانة معطفه الرمادي، ويمضي كأن شيئاً لم يكن.
كان ذلك في خريف عام ألفين وسبعة.
العيادة في حيّ الميدان، آخر شارع مدحت باشا، فوق مخبز أبو عصام الذي تفوح منه رائحة الخميرة حتى الطابق الثالث. كرسيّ الانتظار الجلدي متشقق، والجدران تحمل شهادات مصفرّة من جامعة دمشق دفعة ١٩٧٤، وصورة بالأبيض والأسود لرجل نحيل يقف أمام مستشفى المواساة مبتسماً ابتسامة لا تصل عينيه.
لم يتزوج الدكتور وجيه. لم يسأله أحد لماذا. في الأحياء الشامية القديمة، الصمت إجابة مقبولة.
في مساء الثالث من كانون الأول ألفين وأربعة وعشرين، أقفل الدكتور وجيه باب العيادة كعادته في السابعة، ونزل الدرج البارد ببطء. سمعه أبو عصام يسعل عند المدخل. لوّح له بيده دون أن يلتفت. ثم اختفى.
لم يأتِ في اليوم التالي. ولا الذي بعده. انتظر المرضى، ثم تذمّروا، ثم نسوا.
بعد أسبوعين، كسر أبو خليل القفل. كان عليه أن يبحث عن وصفة دواء ابنه الأصغر. فتّش الأدراج واحداً واحداً حتى وصل إلى الأخير. وجده مقفلاً. أحضر إزميلاً وكسره.
في الداخل، لم يكن هناك مال ولا وثائق سرية ولا رسائل غرامية كما توقع.
كان هناك دفتر أسود سميك، في كل صفحة اسم مريض وتاريخ وتشخيص. لكن العمود الأخير في كل صفحة كُتب فيه بخط الدكتور الرفيع: «المبلغ المتبقي».
تصفّح أبو خليل الدفتر بأصابع مرتجفة. مئات الأسماء. مئات المبالغ. أدوية دفعها الدكتور وجيه من جيبه. عمليات حوّل تكلفتها إلى حسابه الشخصي. أطفال أرسلهم إلى مختبرات خاصة وكتب في الدفتر: «أخبرتهم أن التحليل مجاني. التكلفة: أربعة آلاف ليرة.»
في الصفحة الأخيرة، سطر واحد مختلف عن البقية:
«الرصيد المتبقي في حسابي: صفر. الرصيد المتبقي في ضميري: كل شيء.»
بحثوا عنه شهراً كاملاً. سألوا المستشفيات والمخافر وحتى المشرحة. لا أثر.
بعد ثلاثة أشهر، اتصل رجل من حلب يقول إنه رأى رجلاً يشبه الدكتور وجيه يعمل في مستوصف خيري على أطراف المدينة. ذهب أبو خليل بنفسه.
وجده جالساً خلف طاولة خشبية متواضعة، يكشف على طفلة لاجئة، معطفه الرمادي نفسه على كتفيه.
قال له أبو خليل بصوت مخنوق: «يا دكتور... ليش ما خبّرت حدا؟»
رفع الدكتور وجيه رأسه، ونظر إليه بعينين هادئتين كمن أتمّ حساباً طويلاً مع نفسه، وقال:
«لأنو المريض اللي قدامي ما بيستنى.»
ثم عاد إلى صدر الطفلة بسمّاعته، كأن أبو خليل لم يكن هناك.
✦الحكمة المستفادة
الخير الحقيقي لا يبحث عن شاهد ولا يحتاج إلى تصفيق؛ إنه الفعل الذي يكتمل معناه حين لا يعرف به أحد.
أسئلة شائعة عن هذه القصة
عن ماذا تتحدث قصة "الطبيب الذي لم يعد من عيادته"؟
في حيّ الميدان بدمشق، اختفى طبيب عجوز ذات مساء ولم يعثر عليه أحد. لكن ما وجدوه في درج مكتبه كان أغرب من الاختفاء نفسه.
ما الحكمة المستفادة من قصة "الطبيب الذي لم يعد من عيادته"؟
الخير الحقيقي لا يبحث عن شاهد ولا يحتاج إلى تصفيق؛ إنه الفعل الذي يكتمل معناه حين لا يعرف به أحد.
كم يستغرق قراءة قصة "الطبيب الذي لم يعد من عيادته"؟
تستغرق قراءة القصة حوالي 2 دقائق بمعدل قراءة متوسط. يبلغ طول النص نحو 393 كلمة موزعة على 20 مقطعاً، وهو طول مناسب لجلسة قراءة واحدة قبل النوم أو خلال فسحة قصيرة.
هل قصة "الطبيب الذي لم يعد من عيادته" مناسبة للأطفال؟
هذه القصة مصنّفة للقراء الكبار وليست موجهة للأطفال الصغار، إذ تحتوي على أحداث أو أجواء قد لا تناسب الفئات العمرية الصغيرة. إن كنت تبحث عن قصة لطفلك، ننصح بتصفح قسم قصص الأطفال الذي تُصنّف قصصه حسب العمر.
إلى أي قسم تنتمي قصة "الطبيب الذي لم يعد من عيادته"؟
تنتمي القصة إلى قسم قصص حقيقية (قصص حقيقية قصيرة مؤثرة). يمكنك تصفح باقي قصص هذا القسم من صفحة القسم للعثور على قصص مشابهة في الأسلوب والموضوع.
هل يمكنني قراءة قصة "الطبيب الذي لم يعد من عيادته" لأطفالي أو في الصف؟
نعم، قراءة القصة لأطفالك أو استخدامها في نشاط صفّي أو حلقة قراءة غير تجارية مسموح بها مع ذكر اسم الموقع كمصدر. أما إعادة نشر نص القصة كاملاً على موقع أو صفحة أخرى فغير مسموح، لأن النص أصلي ومحمي بحقوق النشر.


