العودة إلى قصص حقيقية
الطبيب الذي لم يعد من عيادته
حقيقية

الطبيب الذي لم يعد من عيادته

2 دقائق للقراءة
١٤‏/٣‏/٢٠٢٦
3 مشاهدة
للكبار
استمع للقصة
اضغط للاستماع

الدرج الأخير في خزانة الدكتور وجيه سلطان لم يُفتح منذ سبعة عشر عاماً.

عرف ذلك جاره أبو خليل، الذي كان يمسح بلاط العيادة كل صباح مقابل كشفية مجانية لأولاده الخمسة. عرفه لأنه كان الوحيد الذي رأى الدكتور وجيه يقفل ذلك الدرج بمفتاح نحاسي صغير، ثم يدسّه في بطانة معطفه الرمادي، ويمضي كأن شيئاً لم يكن.

كان ذلك في خريف عام ألفين وسبعة.

العيادة في حيّ الميدان، آخر شارع مدحت باشا، فوق مخبز أبو عصام الذي تفوح منه رائحة الخميرة حتى الطابق الثالث. كرسيّ الانتظار الجلدي متشقق، والجدران تحمل شهادات مصفرّة من جامعة دمشق دفعة ١٩٧٤، وصورة بالأبيض والأسود لرجل نحيل يقف أمام مستشفى المواساة مبتسماً ابتسامة لا تصل عينيه.

لم يتزوج الدكتور وجيه. لم يسأله أحد لماذا. في الأحياء الشامية القديمة، الصمت إجابة مقبولة.

في مساء الثالث من كانون الأول ألفين وأربعة وعشرين، أقفل الدكتور وجيه باب العيادة كعادته في السابعة، ونزل الدرج البارد ببطء. سمعه أبو عصام يسعل عند المدخل. لوّح له بيده دون أن يلتفت. ثم اختفى.

لم يأتِ في اليوم التالي. ولا الذي بعده. انتظر المرضى، ثم تذمّروا، ثم نسوا.

بعد أسبوعين، كسر أبو خليل القفل. كان عليه أن يبحث عن وصفة دواء ابنه الأصغر. فتّش الأدراج واحداً واحداً حتى وصل إلى الأخير. وجده مقفلاً. أحضر إزميلاً وكسره.

في الداخل، لم يكن هناك مال ولا وثائق سرية ولا رسائل غرامية كما توقع.

كان هناك دفتر أسود سميك، في كل صفحة اسم مريض وتاريخ وتشخيص. لكن العمود الأخير في كل صفحة كُتب فيه بخط الدكتور الرفيع: «المبلغ المتبقي».

تصفّح أبو خليل الدفتر بأصابع مرتجفة. مئات الأسماء. مئات المبالغ. أدوية دفعها الدكتور وجيه من جيبه. عمليات حوّل تكلفتها إلى حسابه الشخصي. أطفال أرسلهم إلى مختبرات خاصة وكتب في الدفتر: «أخبرتهم أن التحليل مجاني. التكلفة: أربعة آلاف ليرة.»

في الصفحة الأخيرة، سطر واحد مختلف عن البقية:

«الرصيد المتبقي في حسابي: صفر. الرصيد المتبقي في ضميري: كل شيء.»

بحثوا عنه شهراً كاملاً. سألوا المستشفيات والمخافر وحتى المشرحة. لا أثر.

بعد ثلاثة أشهر، اتصل رجل من حلب يقول إنه رأى رجلاً يشبه الدكتور وجيه يعمل في مستوصف خيري على أطراف المدينة. ذهب أبو خليل بنفسه.

وجده جالساً خلف طاولة خشبية متواضعة، يكشف على طفلة لاجئة، معطفه الرمادي نفسه على كتفيه.

قال له أبو خليل بصوت مخنوق: «يا دكتور... ليش ما خبّرت حدا؟»

رفع الدكتور وجيه رأسه، ونظر إليه بعينين هادئتين كمن أتمّ حساباً طويلاً مع نفسه، وقال:

«لأنو المريض اللي قدامي ما بيستنى.»

ثم عاد إلى صدر الطفلة بسمّاعته، كأن أبو خليل لم يكن هناك.

الحكمة المستفادة

الخير الحقيقي لا يبحث عن شاهد ولا يحتاج إلى تصفيق؛ إنه الفعل الذي يكتمل معناه حين لا يعرف به أحد.

#قصص حقيقية#قصص قصيرة#قصص عربية#قصة واقعية مؤثرة#قصص من دمشق#قصص إنسانية#قصة طبيب#الميدان دمشق#قصص عن الخير#قصص حقيقية عربية#قصة قصيرة واقعية

قصص مشابهة

شجرة الليمون تحت سماء حرّة - قصص قصيرة
حقيقية

شجرة الليمون تحت سماء حرّة

في حي قديم من حارات مدينة حلب، تتشابك قصص الناس مع جذور شجرة ليمون رائعة. انضم إلينا لاكتشاف كيف يمكن لحبة ليمون أن تغيّر مصير طفل في الثانية عشرة من عمره.

الحكمة: بعض العثرات تُثمر آمالاً أكبر.

20 دقائق
1
0
ظلال على جدران الذاكرة - قصص قصيرة
حقيقية

ظلال على جدران الذاكرة

في قلب المدينة القديمة، حيث تنساب الحياة بهدوء، تتشابك خيوط الماضي بالحاضر. قصة عائشة، الفتاة المراهقة التي واجهت أليمة الحياة، تتفتح أمامنا كزهرة نادرة. هل ستستطيع تجاوز الألم؟

الحكمة: لا تزال الذاكرة تكتب قصصنا، وتعلمنا أن الألم قد يظل ولكن الأمل هو ما يترتب عليه.

20 دقائق
7
0
الكهف الذي ابتلع الصدى - قصص قصيرة
حقيقية

الكهف الذي ابتلع الصدى

في أعماق جبال ظفار العُمانية، دخل ثلاثة مراهقين كهفاً لم يكن على أيّ خريطة. ما وجدوه في الداخل لم يكن كنزاً ولا وحشاً، بل شيئاً أكثر رعباً: الحقيقة التي أخفاها آباؤهم عشرين عاماً.

الحكمة: الأبطال الحقيقيون ليسوا من يصنعون الضجيج، بل من يحملون صمتهم كجراح شرف، واثقين أنّ الحقيقة — مهما طال دفنها — ستجد دائماً من يحفر عنها.

7 دقائق
5
0