
الطبيب الذي لم يعد من عيادته
الدرج الأخير في خزانة الدكتور وجيه سلطان لم يُفتح منذ سبعة عشر عاماً.
عرف ذلك جاره أبو خليل، الذي كان يمسح بلاط العيادة كل صباح مقابل كشفية مجانية لأولاده الخمسة. عرفه لأنه كان الوحيد الذي رأى الدكتور وجيه يقفل ذلك الدرج بمفتاح نحاسي صغير، ثم يدسّه في بطانة معطفه الرمادي، ويمضي كأن شيئاً لم يكن.
كان ذلك في خريف عام ألفين وسبعة.
العيادة في حيّ الميدان، آخر شارع مدحت باشا، فوق مخبز أبو عصام الذي تفوح منه رائحة الخميرة حتى الطابق الثالث. كرسيّ الانتظار الجلدي متشقق، والجدران تحمل شهادات مصفرّة من جامعة دمشق دفعة ١٩٧٤، وصورة بالأبيض والأسود لرجل نحيل يقف أمام مستشفى المواساة مبتسماً ابتسامة لا تصل عينيه.
لم يتزوج الدكتور وجيه. لم يسأله أحد لماذا. في الأحياء الشامية القديمة، الصمت إجابة مقبولة.
في مساء الثالث من كانون الأول ألفين وأربعة وعشرين، أقفل الدكتور وجيه باب العيادة كعادته في السابعة، ونزل الدرج البارد ببطء. سمعه أبو عصام يسعل عند المدخل. لوّح له بيده دون أن يلتفت. ثم اختفى.
لم يأتِ في اليوم التالي. ولا الذي بعده. انتظر المرضى، ثم تذمّروا، ثم نسوا.
بعد أسبوعين، كسر أبو خليل القفل. كان عليه أن يبحث عن وصفة دواء ابنه الأصغر. فتّش الأدراج واحداً واحداً حتى وصل إلى الأخير. وجده مقفلاً. أحضر إزميلاً وكسره.
في الداخل، لم يكن هناك مال ولا وثائق سرية ولا رسائل غرامية كما توقع.
كان هناك دفتر أسود سميك، في كل صفحة اسم مريض وتاريخ وتشخيص. لكن العمود الأخير في كل صفحة كُتب فيه بخط الدكتور الرفيع: «المبلغ المتبقي».
تصفّح أبو خليل الدفتر بأصابع مرتجفة. مئات الأسماء. مئات المبالغ. أدوية دفعها الدكتور وجيه من جيبه. عمليات حوّل تكلفتها إلى حسابه الشخصي. أطفال أرسلهم إلى مختبرات خاصة وكتب في الدفتر: «أخبرتهم أن التحليل مجاني. التكلفة: أربعة آلاف ليرة.»
في الصفحة الأخيرة، سطر واحد مختلف عن البقية:
«الرصيد المتبقي في حسابي: صفر. الرصيد المتبقي في ضميري: كل شيء.»
بحثوا عنه شهراً كاملاً. سألوا المستشفيات والمخافر وحتى المشرحة. لا أثر.
بعد ثلاثة أشهر، اتصل رجل من حلب يقول إنه رأى رجلاً يشبه الدكتور وجيه يعمل في مستوصف خيري على أطراف المدينة. ذهب أبو خليل بنفسه.
وجده جالساً خلف طاولة خشبية متواضعة، يكشف على طفلة لاجئة، معطفه الرمادي نفسه على كتفيه.
قال له أبو خليل بصوت مخنوق: «يا دكتور... ليش ما خبّرت حدا؟»
رفع الدكتور وجيه رأسه، ونظر إليه بعينين هادئتين كمن أتمّ حساباً طويلاً مع نفسه، وقال:
«لأنو المريض اللي قدامي ما بيستنى.»
ثم عاد إلى صدر الطفلة بسمّاعته، كأن أبو خليل لم يكن هناك.
✦الحكمة المستفادة
الخير الحقيقي لا يبحث عن شاهد ولا يحتاج إلى تصفيق؛ إنه الفعل الذي يكتمل معناه حين لا يعرف به أحد.
قصص مشابهة

ثلاثة أمتار فوق سطح العالم
على قمة جبل طوبقال، أعلى قمم شمال أفريقيا، وقف فتى مغربي بساق واحدة وعكّاز مكسور، بينما المتسلقون المحترفون يلهثون خلفه. هذه ليست أسطورة — بل قصة حقيقية حدثت في صيف 2019.
الحكمة: ليست العوائق هي التي تحدد مسارنا، بل الخطوة التي نقرر أن نخطوها رغم كل العوائق — فالقمم لا تسأل كم ساقاً لديك، بل كم إصراراً تحمل في قلبك.

الرسالة التي وصلت بعد أربعين عاماً
في مكتب بريد عمّان القديم، عثر موظف على رسالة عالقة خلف درج مكسور منذ عام 1983. حين وصلت الرسالة أخيراً إلى صاحبها، لم يبكِ لأنه قرأها — بل لأنه كان قد كتب مثلها تماماً ولم يرسلها قط.
الحكمة: الخوف من الرفض لا يحمينا من الخسارة — بل يجعلنا نخسر مرّتين: مرّة حين لا نحاول، ومرّة كلّ يوم حين نتذكّر أننا لم نفعل.

حقيبة الذهب الغامضة
قصة حقيقية مؤثرة عن طفل فقير يجد حقيبة مليئة بالذهب، لكن قراره النهائي يغير حياته ويعلمه معنى السعادة الحقيقية.
الحكمة: السعادة الحقيقية والدائمة تكمن في عطائنا للآخرين وليس فيما نحصل عليه لأنفسنا، فعندما نشارك خيرنا مع المحتاجين نجد فرحة لا تُقدر بثمن.